قصة أم بسمة والدكتورة ناعمة الهاشمي كاملة
قصة أم بسمة - كتبتها الاستشارية ناعمة حسن في عام 2005 ضمن سلسلة ( قصص وروايات من ملف الإستشارات )
أولا: الملف التعريفي للحالة
رمز الحالة: أم بسمة
عمر الحالة عن الزيارة: 34 عامًا | عمر الزوج: 36 عامًا
مدة الزواج: 10 سنوات | تاريخ الزواج: 1992
عدد الأبناء: 3 أبناء، ولدين وبنت، حمد 8 أعوام، منصور 6 أعوام، بسمة 4 أعوام
الفترة الزمنية للأحداث: 2003–2006. تمت الزيارة الأولى في ديسمبر 2003
نوع الحالة: حالة زوجية تتسم باستنزاف عاطفي مزمن ووحدة داخل العلاقة الزوجية، مع تراجع واضح في العناية بالذات والحياة الاجتماعية، مع ظهور أعراض انفعالية مؤثرة في حياتها اليومية وعلاقتها بأبنائها، بالتوازي مع تلقيها متابعة نفسية متخصصة.
السياق الأسري: زواج مستمر منذ سنوات، مع وجود ثلاثة أبناء، وتراجع في الحضور العاطفي للزوج وانشغاله المتكرر خارج المنزل، مما أدى تدريجيًا إلى اتساع المسافة بين الزوجين وتحول الحياة الزوجية إلى علاقة يغلب عليها الجفاف والوحدة، مع استمرار الزوجة في محاولة الحفاظ على الزواج وإصلاح العلاقة من جانبها.
المشكلة المركزية: فقدان الاتصال بالذات نتيجة الاستنزاف المستمر داخل العلاقة الزوجية، وما صاحبه من شعور بالوحدة والعجز وتراجع الإحساس بالحياة خارج دور الزوجة والأم.
المشكلة الظاهرة عند طلب المساعدة: حزن مستمر، كثرة بكاء، عصبية، إنهاك نفسي، شعور بالوحدة، وتدهور في القدرة على الاستمرار بالنسق نفسه.
المشكلة العلاقية الأساسية: هجر عاطفي متفاقم، وانخفاض في الحضور والمشاركة والاهتمام داخل الزواج، مع شعور الزوجة بأنها تبذل جهدًا متواصلًا دون استجابة مقابلة.
العوامل المؤثرة: انشغال الزوج، ضعف التواصل، تراكم الخلافات، التنازلات المتكررة من الزوجة، تضييق حياتها حول الزواج والأسرة، وغياب المساحة الشخصية والاجتماعية التي يمكن أن تستعيد من خلالها توازنها.
أثر الحالة على الأبناء: ظهور مؤشرات من القلق والعصبية والحزن والانطواء لدى الأطفال، كما لاحظت الأم، الأمر الذي جعلها تدرك أن استمرار حالتها لم يعد شأنًا شخصيًا يخصها وحدها.
محاولات طلب المساعدة السابقة: زيارة طبيب نفسي، ثم اللجوء إلى الأخت، ثم حضور محاضرات ودورات في الثقافة الزوجية، مع محاولة تطبيق النصائح المتعلقة بالعناية بالزوج والعلاقة الزوجية.
نمط المواجهة السابق: محاولة مستمرة لتعديل الذات وإرضاء الزوج وإصلاح العلاقة، مع تحمل متزايد للمسؤولية عن المشكلة.
نقطة التحول الأولى: اللقاء بالصديقة القديمة، وما صاحبه من مقارنة تلقائية بين حياتها وحياة صديقتها واستعادة مؤقتة لشعورها بالحياة والفرح.
نقطة التحول الثانية: الإفصاح الكامل للصديقة عن معاناتها بعد سنوات من الكتمان، وما نتج عنه من تفريغ انفعالي وشعور أولي بالراحة.
التحول الأولي في الحالة: عودة مؤقتة لبعض مظاهر الحيوية، واستعادة التواصل مع الأبناء، وتكوين مساحة اجتماعية آمنة خارج إطار الزواج، وظهور أول مؤشر على إمكانية التغيير.
الجلسة الأولى: أم بسمة قبل وبعد الزواج
كانت من أوائل الحالات التي استقبلتها في مكتبي، وذلك في أواخر عام 2003.
دخلت إليّ امرأة في أوائل الثلاثينيات، تبدو على ملامحها آثار إنهاك نفسي واضح، كان وجهها شاحبًا، وقد غلب عليه الحزن والذبول، رغم احتفاظه بجمال لافت وهيبة هادئة، تقدمت بخطوات واهنة، وبدا في طريقة دخولها وجلوسها شيء من الاستسلام؛ ذلك النوع من الاستسلام الذي لا يعني بالضرورة التوقف عن طلب المساعدة، بل قد يعكس وصول الإنسان إلى مرحلة يشعر فيها بأن خياراته قد استُنفدت، ومع ذلك يقرر أن يمنح نفسه محاولة أخيرة.
كان انطباعي الأول أنني أمام امرأة لا تأتي إلى الاستشارة بحثًا عن إجابة بسيطة لمشكلة عابرة، وإنما تحمل معها تجربة أثرت في قدرتها على الأمل وفي تصورها لإمكانية إصلاح ما حدث.
كانت ممشوقة القوام، شامخة الملامح، ذات شعر أسود فاحم وعينين كحيلتين. ولم يكن في مظهرها ما يشير إلى انهيار خارجي كامل؛ بل كان اللافت هو التناقض بين حضورها الجسدي المحتفظ بقوته، وبين العلامات الانفعالية التي ظهرت على وجهها وحركتها.
وكان هذا التناقض مهمًا في قراءة الحالة منذ اللقاء الأول. فالإنهاك النفسي لا يظهر دائمًا في صورة انهيار واضح؛ فقد يستطيع الإنسان أن يحتفظ بمظهره الخارجي وقدرته على التماسك، بينما تحمل لغة الجسد، ونبرة الصوت، وطريقة الدخول إلى المكان، ودرجة التواصل البصري، مؤشرات مختلفة تمامًا عن الصورة التي يقدمها للآخرين.
لم أكن أملك في تلك اللحظة سوى الانطباع الأول، ولذلك لم يكن من المهني أن أستنتج منه طبيعة المشكلة أو أقرر مسبقًا ما تحتاج إليه. كان عليّ أولًا أن أستمع، وأن أفهم سياق حياتها، وأن أميز بين ما تشعر به الآن وبين ما أوصلها إلى هذه النقطة.
كانت هذه بداية حالة أم بسمة؛ المرأة التي لم أكن أعرف يومها أن قصتها ستبقى في ذاكرتي طويلًا، لأنها ستكشف لي، كما ستكشف للقارئ لاحقًا، كيف يمكن لأزمة واحدة داخل الزواج أن تهز قناعات الإنسان عن الحب والوفاء والتضحية، ثم تدفعه إلى إعادة النظر في علاقته بنفسه.
قالت:
— السلام عليكم.
كان صوتها مألوفًا لي على نحوٍ ما. صافحتها وقلت:
— وعليكم السلام... أهلًا وسهلًا، تفضلي.
وكعادتي في استقبال الحالات، كنت أترك للزائرة حرية اختيار مكان الجلوس، بين الكرسي المقابل لمكتبي أو الأريكة القريبة.
اختارت الكرسي المقابل للمكتب.
لم أعتبر اختيارها دليلًا على سمة شخصية محددة، لكنه لفت انتباهي في تلك اللحظة إلى حضورها العملي وطريقتها المباشرة في التعامل مع الموقف.
جلست أمامي، وكانت ابتسامتها مائلة، لا تكاد تكتمل، رافقتها رمشة طويلة وزفرة عميقة. كانت هذه المظاهر، إلى جانب شحوب وجهها وحركتها البطيئة، توحي بوجود ثقل انفعالي واضح، وإن كان من المبكر في اللقاء الأول تحديد طبيعته أو أسبابه.
وضعت حقيبة يدها المتواضعة إلى جوارها، ثم أخذت ترتب عباءتها بعناية، محاولة أن تستر بها الثوب البسيط الذي كانت ترتديه.
لم أتعامل مع هذه التفاصيل باعتبارها دليلًا على حالتها النفسية، لكنها كانت جزءًا من الصورة التي قدمتها في اللقاء الأول: امرأة تبدو شديدة الانتباه إلى مظهرها أمام الآخرين، وفي الوقت نفسه حريصة على ألا تلفت الانتباه إلى ما قد تعتبره نقصًا في مظهرها أو وضعها.
ثم نظرت إليّ وقالت:
— توقعتك أكبر سنًا... يبدو أنكِ في العشرينات.
ابتسمت وقلت:
— صحيح، لكن هل تعتقدين أن عمري يمكن أن يجعل استشارتي أقل جودة؟
سارعت إلى الرد:
— لا، بالتأكيد، لا أقصد ذلك... لكني... ربما... لا أعرف، حين سمعت عنك، توقعت أنك في الأربعين أو الخمسين... أعني...
توقفت، وكأنها لم تجد الكلمات المناسبة لإكمال عبارتها.
كان هذا الحوار القصير مهمًا بالنسبة إليّ؛ ليس بسبب عمرها أو عمري، وإنما لأنه كشف منذ اللحظات الأولى عن حاجتها إلى التأكد من أن الشخص الذي أمامها يمتلك ما يكفي من الخبرة لفهم ما تحمل.
كانت تبحث، قبل أن تبدأ رواية مشكلتها، عن شيء من الأمان المهني.
وهذا أمر يتكرر في كثير من الحالات التي تصل إلى الاستشارة بعد فترة طويلة من المعاناة؛ فالشخص لا يدخل الجلسة وفي ذهنه مشكلة واحدة فقط، بل يدخل ومعه أسئلة أخرى غير معلنة:
هل سيفهمني هذا الشخص؟
هل سيصدق ما أقول؟
هل سيعتبرني مبالغة؟
هل سيحمّلني مسؤولية ما حدث؟
وهل يستطيع فعلًا أن يرشدني إلى مخرج؟
لذلك لم أستعجل تفسير صمتها أو ترددها، ولم أعتبر انطباعي الأول حكمًا على شخصيتها. كانت تلك مجرد ملاحظات أولية ستحتاج إلى أن تختبرها بقية الجلسة.
وكان الأهم بالنسبة إليّ أن أمنحها المساحة التي جاءت من أجلها.
أن تتحدث.
بداية الإفصاح: من القلق إلى الأمان
في تلك اللحظة، بدا لي أن أم بسمة بدأت تشعر بشيء من القلق، ظهر الاضطراب في ملامحها، ثم سألتني:
— من أين أبدأ؟
قلت لها ببساطة:
— من كوب شاي وقطعة بسكويت مثلًا.
وللمرة الأولى منذ دخولها، انفرجت ملامحها عن ابتسامة أكثر راحة، وظهرت في عينيها لمعة بدت وكأنها كانت غائبة عنها منذ وقت طويل.
— فعلًا؟!... شكرًا لك. بالتأكيد، قد تكون هذه بداية جيدة.
سألتها:
— هل تفضلينه بالنعناع؟
ازدادت ملامحها استرخاءً، وقالت:
— بالتأكيد... شكرًا لك.
ثم سكتت لحظة، قبل أن تقول بصوت خافت:
— في الحقيقة، أخشى أن يمضي الوقت قبل أن أسرد لك مشكلتي، فأنا بالفعل أشعر أنني غارقة... منهارة... ضائعة إلى أبعد حد، وأكاد أجزم أنني أيضًا في منتهى الوحدة والألم.
كانت هذه أول إفادة مباشرة منها عن حالتها الانفعالية.
ولم أتعامل مع كلمات مثل «منهارة» و«ضائعة» بوصفها تشخيصًا، وإنما بوصفها وصفًا ذاتيًا للحالة كما كانت تعيشها هي، فاللغة التي يستخدمها صاحب المشكلة في وصف تجربته تحمل أهمية كبيرة في فهم الطريقة التي يدرك بها وضعه، لكنها تحتاج دائمًا إلى أن تُقرأ في سياق القصة كاملة.
في تلك اللحظة، كان واضحًا أن القضية بالنسبة إليها لم تكن مشكلة زوجية محددة يمكن اختصارها في خلاف أو موقف عابر، كانت تتحدث عن تجربة أوسع من ذلك: وحدة، ألم، عجز، واستنزاف تراكم على مدى سنوات.
ومن خلال خبرتي في الاستشارات، كنت أعرف أن كثيرًا من النساء لا يصلن إلى طلب المساعدة عند بداية المشكلة، وإنما بعد أن تكون محاولاتهن الخاصة قد استنفدت معظم طاقتهن.
يصلن بعد سنوات من الاحتمال، وبعد محاولات متكررة للتكيف، وبعد البحث عن حلول في أكثر من اتجاه.
لكنني تعلمت أيضًا ألا أفترض أن كل حالة متشابهة لمجرد أن أعراضها الخارجية متشابهة.
فالأحزان ليست قصة واحدة، والوحدة لا تأتي من سبب واحد، والإنهاك داخل الزواج قد ينشأ من مسارات متعددة ومختلفة.
لذلك كان عليّ أن أترك أم بسمة تروي قصتها بلغتها هي.
كنت أريد أن أعرف:
متى بدأ التغير؟
كيف كانت علاقتها بزوجها قبل ذلك؟
ماذا فعلت عندما بدأت تشعر بالابتعاد؟
هل تحدثت معه؟
هل حاولت إصلاح العلاقة؟
ماذا كانت تتوقع منه؟
وماذا حدث لها هي خلال السنوات التي كانت تحاول فيها الحفاظ على الزواج؟
هذه الأسئلة كانت أهم من أي نصيحة يمكن أن أقدمها في تلك اللحظة.
ففي الاستشارة الجيدة، لا تبدأ المعالجة من السؤال: ماذا ينبغي أن تفعل؟
بل من السؤال الأسبق:
ماذا حدث لها حتى وصلت إلى هنا؟
وهذا تحديدًا ما كنت أحتاج إلى معرفته من أم بسمة.
أما ما كانت تقوله عن نفسها في تلك اللحظة، فقد كان كافيًا لأدرك أنني أمام امرأة استنزفتها سنوات من الوحدة داخل علاقة يفترض أن تكون مصدرًا للأمان والاحتواء، وأن استعادة توازنها لن تبدأ بمحاولة دفعها إلى مزيد من الاحتمال، وإنما بفهم ما الذي فقدته خلال هذه السنوات، وكيف يمكن أن تستعيده.
نظرت إليها بشيء من التشجيع، وقلت:
— تفضلي... تحدثي. أنا كلي آذان صاغية.
بقيت للحظات تبحث عن بداية مناسبة، ثم قالت:
— لا أعرف من أين أبدأ.
نظرت إلى الملف الذي حملته بين يدي منذ البداية، كنت قد قرأته بعناية قبل أن تدخل، وعرفت منه خطوطًا كثيرة في قصتها، لكنني كنت أؤمن دائمًا أن ما تكتبه النفس على الورق ليس بالضرورة هو كل ما تقوله حين تبدأ بالكلام، هناك أشياء تكشفها النبرة، وأخرى تفضحها العينان، وأشياء لا تقولها الكلمات أبدًا، لكن الجسد يقولها من دون قصد.
قلت لها بهدوء:
— لنبحث عن البداية إذن... دعينا نعود إلى أبعد نقطة تتذكرينها، إلى نشأتك، طفولتك، إلى البيت الذي كبرتِ فيه.
ثم فتحت الملف أمامي، وقلت:
— قرأت ما كتبتِه هنا، وأعرف ما دوّنته عن حياتك، لكنني أريد أن أسمعه منك أنتِ، أريد أن أراكِ وأنت تستعيدين الأحداث، أحيانًا تخبرنا طريقة رواية الإنسان لقصته أكثر مما تخبرنا القصة نفسها.
توقفت لحظة، ثم أضفت بنبرة مطمئنة:
— لا تبحثي عن الكلمات المناسبة، ولا تحاولي أن ترتبي الأحداث كما لو أنك تكتبين قصة، فقط تحدثي، كما تتذكرين، خذي راحتك، وتحدثي بحرية، وأنا سأستمع.
وهنا كنت أعرف تمامًا ما الذي سيحدث.
فما إن أمنح امرأةً الإذن بأن تتحدث بلا قيود، وأن تقول كل ما في قلبها، وأن تخرج إلى النور كل ما كتمته لسنوات، حتى أعرف أن كل شيء كتمته في داخلها سيجد الطريق للنور.
ربما لم تكن قد تحدثت من قبل، لا لأنها لم تكن بحاجة إلى الكلام، بل لأنها لم تجد الشخص الذي تستطيع أن تقول أمامه كل شيء دون خوف، لم تكن تريد شماتة أعدائها، ولا شفقة أصدقائها، ولا أن تزرع القلق في قلوب أهلها حين يكتشفون حقيقة ما تعانيه. لذلك مثلها مثل العديد من النساء اختارت الصمت، وارتدت قناع القوة، ومضت في حياتها وكأنها بخير.
كنت أعرف أن اللحظة التي أقول فيها: «تحدثي بحرية» ستكون كافية لفتح كل الأبواب التي ظلت مغلقة سنوات.
فعند هذه اللحظة بالذات أعتدت أن أرى كيف تنهار الحصون، حينما تسترخي الأكتاف التي ظلت مشدودة طويلًا، وتتراجع الأجساد إلى الخلف، كأنها أخيرًا وجدت مكانًا آمنًا تستند إليه، ثم ينطلق الكلام بلا توقف، كلمات متلاحقة، متدفقة، يصعب إيقافها أو حتى تنظيمها.
تخرج الكلمات منهن كما تخرج الحمم من فوهة بركان ظل خامدًا لسنوات، متناثرة، متدفقة، مثقلة بكل ما تراكم في الداخل من كبت، وضغط، وخوف، وخيبات، ووحدة، وضياع.
وفي تلك اللحظة تحديدًا، لم يعد أمامي شخص جاء ليحكي مشكلة، بل إنسانة جاءت، للمرة الأولى، لتتخلص من حملٍ أثقل قلبها لسنوات.
قالت وهي تتفحّص وجهي بعينين قلقتين، كأنها تبحث في ملامحي عن أي إشارة قد توحي بأنني أشك في كلامها أو أراها مبالغة فيما تقول.
ثم قالت، وكأنها تستدرك صورة كانت تخشى أن يكون مظهرها قد رسمها في ذهني:
— رغم مظهري الحالي، الذي قد يوحي بالفقر أو الإهمال، فإن الحقيقة مختلفة تمامًا. لقد نشأت في أسرة ميسورة ومميزة. كان والداي من المثقفين، ولهما مكانة اجتماعية ومناصب مرموقة. والحمد لله، عشت طفولة سعيدة ومدللة، ولم أشعر يومًا أنني أقل من أحد.
ثم ابتسمت ابتسامة خفيفة وأردفت:
— لكن والدي، رغم كل ما وفره لي، لم يربّني على الاتكال أو الدلال الزائد. علّمني القوة، والثقة بالنفس، والشجاعة، والحكمة. كان يريدني دائمًا أن أكون قادرة على مواجهة الحياة، مهما كانت الظروف.
سكتت قليلًا، وكأنها تستعيد سنوات بعيدة، ثم تابعت:
— وعندما اخترت دراسة الإعلام، لم يعترض والدي كما يفعل كثير من الآباء، بل شجعني ودعمني، وبعد تخرجي أصرّ على أن أعمل، وبالفعل حصلت على وظيفة جيدة في إحدى المؤسسات الإعلامية.
أطلقت زفرة قصيرة، وقالت:
— كانت حياتي جميلة في ذلك الوقت... لم تكن لديّ مشكلات حقيقية تُذكر. كنت أعيش حياة مستقرة، وأشعر أن المستقبل أمامي مفتوح.
توقفت قليلًا، ثم قالت فجأة:
— ونسيت أن أخبرك شيئًا مهمًا...
نظرت إليّ، ثم ابتسمت:
— كنت متفوقة طوال سنوات دراستي. كنت دائمًا من المتفوقات، وكان أهلي فخورين بي جدًا.
تابعت قائلة:
— كنت سعيدة جدًا في عملي. كنت أذهب كل يوم وأنا أشعر أنني أتقدم خطوة جديدة، وأنتقل من نجاح إلى نجاح. سرعان ما لفتُّ الأنظار بين زميلاتي، وبدأ اسمي يأخذ مكانه في الوسط الإعلامي، وأصبح لي قرّاء يتابعون ما أكتب، ومعجبون بقلمي وشخصيتي التي كانت تتكشف لهم من خلال كلماتي.
ثم جاء ذلك اليوم الذي التقيته فيه.
كان أحد قرّائي. دفعه الفضول إلى أن يرى صاحبة القلم التي طالما أثارت انتباهه، وحين رأيته للمرة الأولى، شعرت بشيء غريب يشدني إليه، إحساس لم أفهمه وقتها، ولم أكن أملك له تفسيرًا.
في المرة الأولى، تظاهر بأنه مراجع جاء لإنجاز أمر ما، ثم عاد في المرة الثانية، وكان أكثر وضوحًا، فصارحني بأنه معجب بي، بقلمي، وكتاباتي، وحتى بشخصيتي التي كان يراها منعكسة بين سطور ما أكتب.
كان حديثه مختلفًا، وطريقته في النظر إليّ مختلفة، واستطاع، دون أن أشعر، أن يأخذني إلى مساحة لم أعرفها من قبل... مساحة جعلتني أعيش لحظة بدت لي آنذاك أقرب إلى الخيال منها إلى الواقع.
لكنني، رغم ذلك، لم أكن سهلة الانقياد خلف المشاعر. كنت متحفظة جدًا.
قلت له بوضوح:
— لديّ والدان، وهذا عنوانهما... إن كنت تبحث عن الطريق إليّ.
كنت أقولها وأنا أتوقع في داخلي أنه لن يعود، ظننته ربما يبحث عن تسلية عابرة، وأن حديث الإعجاب لن يتجاوز حدود اللحظة.
لكنه عاد.
ولم يعد وحده.
أرسل أهله إلى بيتنا.
حينها أثار إعجابي أكثر مما فعلت كلماته الأولى، شعرت أن الرجل الذي أمامي جاد، وأن ما قاله لم يكن مجرد إعجاب عابر أو نزوة مؤقتة، بل كان يريد أن يسلك الطريق الصحيح نحوي.
وهكذا، في وقت بدا لي آنذاك أن كل شيء يسير كما تمنيت، تم عقد قراننا.
كانت تروي تلك السنوات الأولى دون تردد، وكأنها تستعيد حياة لم يكن فيها ما يدعو إلى الخوف.
ثم توقفت لحظة.
بينما كنت أنا أصغي لها وهي تروي لي تفاصيل حالها في الماضي، كنت أتأمل حالها اليوم.
لقد كانت صورة مختلفة تمامًا عن المرأة التي تجلس أمامي الآن.
خلف الشحوب والإنهاك اللذين رأيتهما عند دخولها، كانت هناك امرأة أخرى: ابنة أسرة مستقرة، متعلمة، ناجحة، واثقة من نفسها، اعتادت التفوق، وعاشت سنواتها الأولى وهي تشعر بأن العالم مفتوح أمامها.
وهذه الخلفية لم تكن تفصيلًا ثانويًا في الحالة.
فأم بسمة لم تدخل زواجها وهي تحمل تاريخًا من العجز أو الاتكال أو الشعور بالدونية. على العكس، كانت قد دخلت حياتها الزوجية وهي تحمل قدرًا معتبرًا من الاستقلال والثقة والكفاءة، قبل أن تبدأ سنوات الزواج في تغيير صورتها عن نفسها تدريجيًا.
وهنا توقفت عن الكتابة في ملاحظاتي.
فالسؤال لم يعد: ما الذي تعاني منه أم بسمة؟
بل أصبح أكثر تحديدًا:
ماذا حدث لهذه المرأة التي كانت تعرف نفسها بهذه الصورة، حتى أصبحت بعد سنوات تجلس أمامي بهذا الانكسار؟
كان ذلك السؤال هو الذي سيقود بقية الحالة.
وكان واضحًا أن الحكاية لم تبدأ بعد في إظهار وجهها الآخر.
ثم قالت:
— بعد عقد القران، سمح لنا والدي بأن نتحدث هاتفيًا، وأن نلتقي ونجلس معًا لنتعرف إلى بعضنا أكثر. وكانت تلك الأيام من أجمل أيام حياتي... أيامًا عشتها بكل ما فيها من فرح وحماس، وكنت أظن أنني أخيرًا وجدت الرجل الذي سأكمل معه بقية عمري.
ثم سكتت قليلًا، قبل أن تتابع:
— لكن بعد ذلك بدأت سلسلة من الطلبات...
كانت الطلبات في بدايتها تبدو بسيطة.
وربما لهذا السبب لم تلتفت إليها.
قال لي في البداية:
— لماذا لا تتركين عملك؟ أنا أغار عليك من المعجبين بك.
كنت أبتسم أحيانًا، وأعتبر غيرته دليلًا على حبه.
ثم بدأت الدائرة تضيق شيئًا فشيئًا.
— لماذا تكثرين من زيارة بنات خالك وبنات عمك؟ أنا أغار عليك حتى من شباب العائلة.
ثم:
— لماذا ترتدين البنطلون؟ إنه لا يناسب امرأة متزوجة.
مع أنني كنت أرتديه تحت عباءة مغلقة تمامًا، ولم يكن في الأمر ما يلفت النظر.
ثم تطورت الأمور أكثر:
— لماذا تتحدثين كثيرًا مع صديقاتك على الهاتف؟ أنا أغار منهن... أريدك لي وحدي.
وبدأ يضيق حتى من الكلام العادي داخل أسرتي:
— لا تتحدثي عن أخيك كثيرًا، فهذا يزعجني.
ثم أصبح لكل شيء تقريبًا قائمة من «لا».
لا تتسوقي...
لا تضحكي...
لا تفعلي كذا...
لا تذهبي إلى هناك...
كانت كل مرة تبدو منفردة، صغيرة، قابلة للتجاوز.
ولهذا كنت أتنازل.
ثم أتنازل مرة أخرى.
وكنت في كل مرة أجد تفسيرًا يريحني:
ربما هو يغار لأنه يحبني.
ربما يحتاج إلى بعض الوقت حتى يعتاد الحياة الزوجية.
ربما ستنتهي هذه الحساسية عندما يطمئن إليّ.
كنت أبحث دائمًا عن المعنى الأكثر لطفًا لتصرفاته.
ولم أكن أرى، وأنا أفعل ذلك، أن مساحة حياتي كانت تضيق شيئًا فشيئًا.
لم يكن هناك يوم واحد استيقظت فيه فوجدت نفسي امرأة مختلفة.
لم يحدث الأمر بهذه الطريقة.
كان التغير أكثر هدوءًا من ذلك.
أطرقت تفكر، عيونها على طرف المنضدة، بينما عقلها سارح في الماضي، ثم قالت وكأنها تذكرت أو اكتشفت امرآ آخر : كان لدي أيضًا هواية أحبها كثيرًا... تصميم الأزياء. كنت أصمم فساتين السهرات، وأرسل تصميماتي إلى دار أزياء تملكها شقيقتي الكبرى، وهي سيدة أعمال معروفة في مجالها، وكانت تدفع لي في البداية مبلغًا جيدًا عن كل تصميم.
ثم ابتسمت ابتسامة خفيفة وأضافت:
— ومع الوقت بدأت تصاميمي تنتشر، وازداد الطلب عليها، وأصبح اسمي معروفًا في هذا المجال، حتى صرت أتعامل مع خمس دور أزياء مختلفة، وكانت لديّ، ولله الحمد، مدخرات جيدة، كنت قد بنيت لنفسي قدرًا من الاستقلال والاستقرار، وكنت أشعر أنني أملك شيئًا خاصًا بي، شيئًا صنعته بجهدي وتعب السنوات.
سكتت قليلًا، ثم تابعت:
— لكن بعد عقد القران، لم أستطع الاستمرار في تصميم الأزياء، أولًا لأن الوقت لم يعد يسمح لي بذلك، وثانيًا... لأنني لم أعد أملك المزاج نفسه ولا الرغبة التي كانت تدفعني إلى الإبداع.
من أجله أغضبت أبي وأمي. تركت وظيفتي رغم رفضهما الشديد، ورغم نصائحهما التي كنت أعرف في أعماقي أنها صادقة، كنت أقول لنفسي إن إرضاء الزوج أهم، وإن المرأة حين تتزوج يجب أن تفعل كل ما تستطيع حتى تحافظ على بيتها.
ولأجله أيضًا تخليت عن صديقاتي الحبيبات. ابتعدت عنهن، وقطعت كثيرًا من صلاتي بهن، حتى بدا لي بعد فترة أن حياتي لم تعد تتسع إلا لشخص واحد فقط ... إنه : هو.
ومن أجل أن أرى ابتسامة الرضا على وجهه، بدأت أغيّر حتى مظهري، ارتديت الملابس الواسعة، وتنازلت عن أشياء كنت أحبها، ولم أكن أفعل ذلك خوفًا منه، كنت أفعله لأنني أحببته وأردت أن أرضيه.
تنازل هنا، وتنازل هناك، ومرة أختار فيها راحته على راحتي، ومرة أتجنب شيئًا حتى لا يغضب، ومرة أبتعد عن شخص أحبه حتى لا يشعر بالغيرة.
ومع الوقت، بدأت الأشياء التي كانت جزءًا طبيعيًا من حياتي تصبح أشياء أحتاج إلى التفكير قبل القيام بها.
ثم قالت، بعد صمت قصير:
— كنت أقدم كل ما أستطيع، وأفعل كل ما يطلبه مني، وأنا أظن أنني بذلك سأجعله يحبني، ويدرك كم أنا حريصة على إرضائه، فيرضى هو عني في المقابل، ويزداد عشقًا لي لكل ما قدمته من تنازلات وتضحيات. لكن ما حدث كان العكس تمامًا؛ فكلما قدمت وفعلت من أجله، شعرت به يبتعد عني أكثر، حتى أصبح أحيانًا يعلن صراحةً شعوره بالضيق مني ومن علاقتنا.
نظرت إليّ تلك النظرة المستفسرة، المستجدية لتفسير، وفي عينيها مسحة من الدموع، ثم هزّت رأسها بعجز عن الفهم وقالت:
— لا أفهم ما الخطأ! لقد فعلت كل ما نصحوني به، وكل ما قالوا لي إنه السلوك الأفضل حتى يقع زوجك في حبك مدى الحياة... ومع ذلك، زوجي لا يحبني منذ مدة طويلة، ونحن لا نزال في بداية حياتنا.
تحليل مبدئي الحالة:
لم تكن أم بسمة في بداية زواجها ترى تنازلاتها بوصفها خسائر، بل كانت تراها استثمارات في الحب والزواج، كانت تؤمن أن ما تقدمه اليوم سيعود إليها في صورة حب واهتمام ورضا واستقرار، ولهذا لم تكن المشكلة، في وعيها آنذاك، أنها تتنازل، بل أن تنازلاتها لم تنتج النتيجة التي وعدتها بها تصوراتها عن الزواج.
ومع مرور الوقت، اتسعت الفجوة بين ما تقدمه وما تحصل عليه، وكلما ازداد شعورها بأن العلاقة لا تتحسن، ازداد بحثها عن الخطأ في نفسها، وازداد استعدادها لتقديم المزيد.
وهنا بدأت الحلقة المغلقة: طلب جديد، تنازل جديد، انتظار للحب، ثم خيبة جديدة.
وما جعل الأمر أكثر تعقيدًا أن الأشياء التي كانت تتخلى عنها لم تكن هامشية في حياتها، فقد كانت تمثل مصادر متعددة لهويتها واستقلالها وشعورها بالكفاءة والانتماء، لذلك لم تكن تخسر وظيفة أو صديقة أو هواية كلٌّ على حدة، بل كانت حياتها تضيق تدريجيًا بينما كانت تظن أنها توسع مساحة زواجها.
ومع ذلك، لم تكن قد وصلت بعد إلى هذا الفهم. كانت لا تزال تقف أمام السؤال الأول نفسه: "لقد فعلت كل ما ينبغي أن أفعله... فلماذا لا يحبني؟"
والحقيقة، أن حالة زوج أم بسمة ليست حالة نادرة، وإنما شائعة في العديد من المجتمعات، حيث يحب الزوج في البداية شخصية زوجته التي هي عليها قبل الزواج، لكن حينما تصبح زوجته فإنه يريدها في صورة الزوجة التقليدية التي يعرفها ونشأ عليها.
وبعض هذا النوع من الرجال يفصل فعليا بين ( الحبيبة، والزوجة ) ويعتقد أن من تصلح لتكون حبيبة يعجب بها ويعيش معها الرومانسية، لا تصلح مطلقا لأن تكون زوجة تهتم بالأسرة،
أم بسمة لم تخطئ حين حاولت أن ترضي زوجها، كانت تفعل ما تعتقد أنه الصواب، وتتبع نصائح نساء سبقنها إلى الزواج، وحدثنها عن التضحيات التي قدمنها لأزواجهن، وكيف ساعدتهن تلك التنازلات على الحصول على الحب والاستقرار.
لكن المشكلة أن العلاقات الزوجية لا تسير بهذه القاعدة دائما،
ما ينجح مع رجل قد يفشل تمامًا مع رجل آخر، وما يجعل زوجًا أكثر حبًا وارتباطًا بزوجته، قد يجعل زوجًا آخر أكثر طلبًا وسيطرة أو أكثر ابتعادًا.
وكما يقول المثل الشائع: أصابع اليد الواحدة لا تتشابه.
لذلك لا يمكن أن نأخذ تجربة امرأة نجحت معها طريقة معينة، ونفترض أنها ستنجح بالضرورة مع كل النساء وكل الرجال.
فالعلاقات ليست وصفة واحدة، والزوج ليس نسخة من زوج آخر.
وفي حالة أم بسمة، كانت النصائح التي سمعتها من نساء أخريات قد نجحت في تجاربهن، لكنها حين طبقتها على زوجها لم تقرّبها منه كما توقعت، بل أخذت العلاقة إلى نتيجة مختلفة تمامًا.
وهذا ما جعل أم بسمة تصل إلى حالة من الضياع والإحباط والشعور بالفشل، من دون أن تعرف أين تكمن المشكلة.
فهي لم تكن مهملة لزوجها، ولم تكن ترفض طلباته، ولم تكن تتعمد إغضابه. على العكس، فعلت كل ما تعرفه، واتبعت كل ما نُصحت به، وقدمت كل ما كانت تظن أنه يمكن أن يجعل زوجها أكثر حبًا ورضًا عنها.
لكن شيئًا من ذلك لم ينجح.
لم يعالج مشكلتها معه، ولم يقربه منها، بل لم يجعلها تشعر حتى بأنها حاضرة في حياته.
وهنا كان سؤال أم بسمة الحقيقي:
إذا كنت قد فعلت كل ما أعرفه لإرضائه... فلماذا لم يشعر بي؟
وهنا سألتها:
— تقولين إن الطلبات بدأت بعد عقد القران مباشرة، أي قبل الزواج... هل لك أن تخبريني كيف كان يطلب منك تلك التنازلات؟ بلطف؟ بإقناع؟ أم بأمر؟
باغتها السؤال قليلًا، ثم قالت:
— في الحقيقة... كل مرة كانت بطريقة.
وسكتت لحظة، ثم تابعت:
— في البداية كان مغرمًا بي. كل شيء في شخصيتي كان يعجبه، شعرت أنني أعيش معه قصة حب رومانسية حقيقية، أحاديث هاتفية طويلة، بل كنا ننام والهاتف بيننا، ولم يكن يغلق الخط أبدًا، وكلما وجد فرصة جاء لرؤيتي.
ورغم أن أبي كان يطلب منه أن يقلل زياراته، ويحرجه أحيانًا، لم يكن ذلك يهمه، كان يأتي حين يغيب أبي عن البيت، وكانت لهفته عليّ واضحة.
جعلني أمتلك شعورًا لم أمتلكه في حياتي كلها.
كنت أعرف أنني مميزة، لكن معه شعرت أنني أميرة... وأكثر النساء حظًا وسعادة في هذا العالم.
ثم تغيرت ملامحها، وقالت:
— أممم... لا أعرف. شيء ما تغير فجأة، ودون سابق إنذار، حينما أصر أبي على تقديم موعد الزفاف. كانت خطوبتنا قد استمرت ستة أشهر منذ عقد القران، وبمجرد أن قرر والدي تقديم موعد الزفاف، تغير فجأة.
ثم قالت بحيرة واضحة:
— أصبح كل شيء في شخصيتي لا يعجبه!
سألتها:
— هل تغير فجأة فعلًا، أم أنك تعتقدين فقط أنه تغير؟
ردت بسرعة:
— أنا متأكدة.
ثم أضافت:
— لأنني في تلك الفترة كنت أخبر شقيقتي بأنه تغير فجأة. أصبحت زياراته لي واتصالاته بي أقل بكثير، حتى إنني لمست الفتور في صوته ونظراته، وبدأت أشك في أنني ربما فعلت شيئًا أغضبه.
وأصبحت أسأله باستمرار:
— هل هناك شيء يضايقك مني؟ هل فعلت شيئًا دون قصد؟
ومن هنا بدأت تلك الطلبات.
قلت لها:
— أعطني مثالًا من فضلك.
قالت:
— نعم، سأعطيك العديد منها. أذكر تمامًا حين طلب مني لأول مرة أن أترك وظيفتي.
اتصل بي بينما كنت في مقر عملي، وطلب مني أن أنزل إليه، وجدته في السيارة، وكان في حالة من الغضب.
قال لي:
— هل أنا سفيه؟! هل ترينني سفيهًا؟
قلت له:
— ما هذا الكلام؟ لماذا تقول هذا؟
قال:
— لأنك لو تعتبرينني رجلًا حقيقيًا في حياتك، ما جلستِ بين أولئك الرجال!
قلت له:
— أي رجال؟
قال:
— زملاء العمل. أليسوا رجالًا؟
وبدأ ينهال عليّ بالاتهامات؛ بأنني لا أقدر مشاعره، ولا أحترم رجولته، وأنه كما زارني في عملي وعثر عليّ، سيزورني رجال آخرون ويعثرون عليّ... وأشياء كثيرة أخرى.
سألتها:
— وكيف شعرتِ حينها؟
قالت:
— كنت خائفة للغاية. لم يسبق لي أن رأيته في هذه الحالة.
ثم سكتت لحظة وقالت:
— وفي الوقت نفسه، كنت في قمة حبي وعشقي له، سبق أن رأيت حبه وحنانه، ولذلك لم أطق منظره وهو في تلك الحالة، طلبت منه أن يهدأ، وبدأت أشرح له طبيعة عملي، وأخلاق زملائي، وكيف أنهم يعاملونني باحترام.
لكن كلما قلت كلمة، كان يشتاط غضبًا أكثر.
فصمتُّ.
ثم طلب مني أن أنزل من السيارة وأعود إلى عملي.
وبعد ذلك لم يتصل بي، ولم يتواصل معي بأي طريقة لمدة أسبوعين.
رغم أنني حاولت التواصل معه بكل الطرق، وأرسلت له عدة رسائل شفهية مع شقيقاته، لكنه كان عنيدًا.
حتى أخبرت شقيقته أخيرًا بأنني استقلت من عملي.
استقلت حتى قبل أن أستأذن أمي أو أبي.
وكان ذلك صدمة كبيرة لهما، حتى إن أبي ذهب إليه وتشاجر معه، لكن زوجي رفض التراجع عن موقفه.
أما أنا...
فكنت أموت من شدة الشوق إليه.
كنت مستعدة أن أفعل أي شيء من أجله.
كنت أريد أن أصبح زوجته بأي ثمن.
قلت:
— لابد أنها كانت صدمة كبيرة لعائلتك؟
قالت:
— نعم، لا يمكنني أن أصف لك وقعها عليهم. كانت ردود أفعالهم كارثية، وبشكل خاص والدي. شعر بأني قد غدرت به وخنته حينما تخليت عن وظيفتي.
سألتها:
— لماذا اخترت دراسة الإعلام؟
أجابت:
— أحب الإعلام منذ كنت صغيرة، والدي أيضًا يعمل في إحدى الصحف المحلية، وهو من جعلني أعشق هذا المجال، وبشكل خاص أنني أحب أن أكتب في التاريخ والتراث المحلي.
قلت:
— هذا تخصص جميل ونادر، ومن الطبيعي أن تشغله ابنة البلد، لأنها الأكثر دراية به وبتفاصيله، ماذا كانت طبيعة وظيفتك يا أم بسمة؟
ردت:
— كنت أكتب مقالات يومية متسلسلة عن التراث المحلي.
قلت:
— هذا رائع حقًا. أنا أيضًا أعمل في الإعلام.
نظرت إليّ وقالت:
— في الحقيقة، اكتشفت هذا مؤخرًا، وشعرت بالقلق، خشيت أن تكوني زميلة لي، لكنني ارتحت حين علمت أنك تعملين في مؤسسة مختلفة، أي بعيدًا عن المكان الذي أعمل فيه.
سألتها باستغراب:
— وما المقلق في أن نكون زميلتين؟ عملي في الإعلام شيء منفصل عن عملي في مكتبي هنا، ولكل وظيفة خصوصيتها.
ثم سألتني بفضول:
— ما طبيعة عملك الإعلامي؟
أجبتها:
— أكتب في الأمن المجتمعي.
قالت:
— أوه... الأمن المجتمعي! هذه الأمور جدية للغاية.
ثم سكتت قليلًا، وبدت متألمة، كأنني أثرت في داخلها شوقًا دفينًا، ثم قالت:
— في الحقيقة، أنا أشتاق إلى عملي في الإعلام بشكل لا يمكنني وصفه.
قلت:
— من الطبيعي أن تشعري بالشوق لوظيفة كانت تمنحك مكانة اجتماعية، وأمانًا ماليًا، وإنجازًا ذاتيًا.
قالت:
— فعلًا... فقط لو تعلمين كم أتحسر على تلك المرحلة من حياتي، لكنني في الوقت نفسه عاجزة عن فعل أي شيء.
قلت لها:
— لا بأس، دعينا نعود مرة أخرى إلى تسلسل الأحداث. أنتِ قلتِ إنه كان رومانسيًا معك طوال فترة الخطوبة، لكن ما إن أصر والدك على تحديد موعد قريب للزفاف حتى تغير تمامًا. هذا ما قلتِه.
أجابت:
— فعلًا. في البداية لم أربط الأمرين معًا. حتى إنني شككت في نفسي، كما أخبرتك، واعتقدت أنني ربما أغضبته دون قصد مني، وبدأت أسأله طوال الوقت عن سبب انزعاجه الدائم وفتور تواصله، لكنه في كل مرة كان يتهرب من الإجابة، أو يفتعل مشكلة جديدة.
سألتها:
— هل وصلك في تلك المرحلة شعور بأنه ربما يريد إنهاء الخطوبة أو عقد القران؟
قالت بسرعة، وكأني أشرت إلى الإجابة الصحيحة:
— تمامًا.
ثم تغيرت ملامحها، وأضافت:
— وهذا ما جعلني أغرق في نوبة من الذعر الشديد، لم يكن الأمر فقط لأنني كنت متعلقة به، كان هناك ما هو أسوأ، كنت خائفة من كلام الناس من العار الاجتماعي، من أن أُوصم بالمطلقة، وأنا أصلًا لم أتزوج بعد.
سكتت لحظة، ثم قالت:
— وبشكل خاص في محيطنا، كان من النادر أن تتعرض فتاة للطلاق وهي لا تزال في مرحلة الخطوبة، كنت مستعدة لأن أفعل أي شيء... إلا أن يتركني في تلك المرحلة، وبتلك الطريقة.
تابعت لها : وشعرت أنك المتعلقة التي تلاحقه، وهو الهارب، شعرتي أنك أنت من عليه أن يقدم التنازلات، بينما هو من يضع شروطه، هل شعرتي أيضا بالعجز.
أجابت وهي تضع يديها على وجهها وتنهار في البكاء: نعم، عشت أياما مؤلمة للغاية، وبشكل خاص حينما لم يكن يرد على اتصالاتي أبدا، ولم أكن أجد طريقة للوصول إليه، بينما أبي وأمي يسألونني عنه وعن سر اختفائه، ولا أجد إجابة، وضعني في موقف محرج، أمام الجميع، كان علي أن أفعل أي شيء لأنقذ ماء وجهي.
_وماهو تفسيرك لما فعله بك في هذه المرحلة؟
قالت:
— في البداية اعتقدت أنني ارتكبت خطأ ما، كما أخبرتك. لكنني لاحقًا بدأت أعتقد أنه ربما أنا فعلًا لا أرقى إلى مكانة الزوجة التي يحلم بها.
— هل لديك تفسير لتصرفه؟
قلت:
— إلى حد ما. حين سعى زوجك إلى التعرف إليك، لم يكن بالضرورة يسعى منذ البداية إلى الزواج منك. كان معجبًا بك، وربما كان يراقبك ويتابعك، لكنه لم يكن قد حسم في داخله ما الذي يريده منك فعلًا.
ثم تابعت:
— ربما كان يظن أن امرأة تعمل في الإعلام، وتظهر للناس وتكتب وتتمتع بهذه الشخصية، يمكن أن تكون أقرب إلى الدخول في علاقة عاطفية معه، لكنك حين واجهتِ إعجابه بوضوح، وقلتِ له إن الطريق إليك يمر من خلال أهلك والزواج، وجد نفسه أمام خيار واضح: إما أن يتقدم، أو ينسحب.
ظهر على وجهها الاستغراب، ومعه شيء من الاقتناع.
تابعت:
— ولهذا لا أعتقد أن تقدمه للزواج كان بالضرورة لأنه كان قد عرف منذ البداية أنه يريدك زوجة كما أنتِ. ربما كان يريدك أولًا كامرأة أحب أن يتقرب منها ويعيش معها قصة حب، ثم وجد نفسه أمام زواج حقيقي، فبدأت تظهر لديه الصورة التي يحملها في ذهنه عن الزوجة التي يريدها.
قالت:
— وإن كان يحبني، فما الذي كان يمنعه من الزواج مني؟
أجبتها:
— لأنه قد يكون من الرجال الذين يفصلون تمامًا بين المرأة التي يحبها ويرغب بها، والمرأة التي يراها زوجة صالحة. حين يختار الزوجة، يبحث عن امرأة تقليدية يستطيع أن يعيش معها وفق القالب الذي اعتاد عليه، ويفرض عليها نمط الحياة الذي يراه مناسبًا للزوجة.
ثم قلت:
— أما المرأة التي تثير فيه الحب والرومانسية والإعجاب، فقد يراها في صورة مختلفة تمامًا، يريدها للحب، لكنه لا يتخيلها بالضرورة زوجة. وهذه إحدى المشكلات التي تجعل بعض الرجال، بعد الزواج، يحاولون تغيير المرأة التي أحبوها حتى تصبح المرأة التي يتصورون أنها تصلح لدور الزوجة.
أطرقت أم بسمة تفكر، وبقيت صامتة للحظات، ثم رفعت رأسها وقالت:
— تمامًا... هذا يفسر كل سلوكياته، وكل ما فعله بعد ذلك.
ثم سكتت قليلًا، وكأنها كانت تعيد ترتيب سنوات كاملة من حياتها في ضوء تفسير جديد.
قالت:
— فعلًا... هذا ما فعله بي. جعلني أنا أم العيال، التي تهتم بتربية الأبناء، وكأني بلا أحاسيس ولا مشاعر ولا احتياجات عاطفية.
ثم سكتت لحظة، وقالت بنبرة أكثر حدة:
— وفي المقابل، أنا متأكدة من أنه يعيش علاقات عاطفية مع أخريات!
قلت لها:
— تابعي. أحتاج أن أسمع المزيد حتى أستطيع أن أقرأ شخصيته بصورة أدق، وأن أفهم أيضًا الأسباب التي جعلت علاقتكما تتدهور إلى هذا الحد.
تابعت حديثها:
— طبعًا تزوجنا، رغم كل شيء. لقد ضحيت بالكثير كما أخبرتك حتى يتم هذا الزواج، وبصراحة، لم أندم في البداية.
فقد عشت الأيام الأولى من زواجنا كما لو أنني وصلت أخيرًا إلى الحياة التي تمنيتها.
كان يدللني ويحيطني بعنايته، وكأنني جوهرة ثمينة يخشى أن يخدشها شيء. كان مغرمًا بي إلى حد كبير، يعاملني كأميرة أحلامه التي ظفر بها أخيرًا.
عشت معه في تلك الأيام أجمل ما عشت في حياتي.
كنت أشعر أنني دخلت الجنة وأنا لا أزال على وجه الأرض.
كان لا يحتمل ابتعادي عنه لحظة واحدة. إذا خرج، أخذني معه، حتى لو كان ذاهبًا في مشوار سريع أو قريب.
وكان يناديني بأسماء لم أسمع مثلها من قبل:
"روحي"...
«أنفاسي»...
«أوكسجين حياتي»...
كان يغمرني بكلام الحب إلى درجة جعلتني أصدق أنني لا أحتاج إلى إنسان آخر في هذه الدنيا سواه.
وشيئًا فشيئًا، بدأت أقتنع بذلك فعلًا.
قلّ تواصلي مع أمي وأبي، فما بالك بإخوتي وصديقاتي.
ولم أكن أقصد أن أتجنبهم أو أن أبتعد عنهم؛ بل كنت أعتقد أنني بذلك أقترب منه أكثر.
كنت أظن أن هذا هو الحب.
فقد كان زوجي في البداية زوجًا طيبًا ودودًا. كنا نخرج معًا كثيرًا، ونتحدث طويلًا، وكان يهتم بي ويحرص على أن أبقى إلى جواره. كنت أشعر أنني زوجة محظوظة، وأن الرجل الذي اخترته يحبني بالفعل.
لذلك أذعنت تمامًا لكل ما طلبه مني.
ولم يكن هذا كل شيء؛ بل كنت حريصة على أن أكون الزوجة المضحية، المتفانية، المعطاءة.
فمنذ زواجي، بدأت أمي تنصحني بأن أكون زوجة قنوعة، وألا أثقل على زوجي بكثرة الطلبات، وأن أراعي ظروفه وأقف إلى جواره في الشدائد، وألا أقارن بين حياتي المرفهة في بيت أبي وحياتي الأقل رفاهية في بيت زوجي.
كانت تقول لي إنه لا يزال في بداية الطريق، وإنني إذا صبرت وكافحت معه حتى ينجح ويجمع ثروة، فسأكون أنا وأبنائي أول من ينعم بهذا الرخاء.
أخذت بنصيحتها بكل إخلاص.
كان يعمل موظفًا، وبعد الزواج تراكمت عليه بعض الديون؛ فقد كان يرى أن تكاليف الزواج أثقلته كثيرًا.
وذات مرة، بينما كنا نتحدث عن ديونه، اقترحت عليه أن أساعده.
قلت له:
— اعتبرها دينًا مني إليك، إلى أن تتحسن ظروفك وتفرج.
لكنه رفض بشدة.
لم يكن رفضه مجرد عناد، كنت أشعر أنه يرى في قبول المال مساسًا بكرامته، وأنه لا يريد أن يعيش على مال زوجته أو يشعر بأنه عاجز عن تحمل مسؤولياته.
وبدا لي في ذلك الوقت صادقًا تمامًا في رفضه.
لكنني كنت أريد مساعدته، لم أستطع أن أراه غارقًا في الديون وأنا أملك مدخرات يمكن أن تخفف عنه.
ألححت عليه مرة، ثم مرة أخرى...
وكلما رفض، ازددت إصرارًا.
حتى استسلم في النهاية، وقبل أن يأخذ مني نصف مدخراتي.
كنت يومها أظن أنني أفعل شيئًا جميلًا من أجل الرجل الذي أحب.
ولم أكن أعرف أن المال الذي خرج من يدي يومها سيترك في حياتنا أثرًا أكبر بكثير مما كنت أتخيل.
ولم أكتفِ بمساعدته في سداد ديونه، بل وجدت نفسي، مع مرور الوقت، أسيرة صورة الزوجة المتفانية المضحية؛ تلك المرأة التي ترى في التنازل بطولة، وفي الحرمان فضيلة، وفي الوقوف إلى جوار زوجها في الشدائد دليلًا على صدق الحب والوفاء.
بعد ذلك الموقف، حرصت على ألا أطلب منه أي مصروف يخصني. كنت أنفق على نفسي وعلى طفلتي من مدخراتي الخاصة، التي كانت موضوعة في وديعة تدرّ عليّ مبلغًا مقبولًا كل شهر.
ومع الأيام، اعتدت الأمر إلى درجة أنني نسيت أصلًا أن أطلب منه شيئًا.
كنت أشتري ملابسي، وأدفع ثمن احتياجاتي الأساسية والكماليات من مالي الخاص. لكن مصروفي لم يكن يكفيني لأعيش بالمستوى نفسه الذي كانت تعيش به قريناتي في مجتمعنا، ومع ذلك، لم أكن أرى في الأمر مشكلة.
كنت أقول لنفسي:
«لا بأس... الأجر أحتسبه عند ربي، وما دام زوجي سعيدًا ومرتاحًا، فوالله إن ذلك يكفيني».
كنت أكرر هذه العبارة كلما حضرت حفل زفاف بفستان قديم، أو ذهبت لزيارة صديقة وأنا أرتدي عباءة أكل عليها الزمن وشرب.
كنت أبتسم وأتجاوز الأمر، وأقنع نفسي أن ما أفعله ليس حرمانًا، بل تضحية، وأنني كلما تنازلت عن شيء، ازدادت قيمتي في عين زوجي، وازداد حبه وتقديره لي.
وذات يوم، جاءني على غير عادته مترددًا وخجلًا. جلس أمامي لحظات، وكأنه يبحث عن مدخل مناسب لما يريد قوله، ثم قال:
— أنا مقبل على افتتاح مشروع تجاري في مجال الاستيراد والتوزيع، لكن المبلغ الذي أملكه لا يكفي، وفكرت أن نتشارك... أعني أن نضع مالك إلى جانب مالي ونبدأ المشروع معًا.
لم أتردد لحظة واحدة.
كان زوجي وحبيبي، وكنت يومها أرى في اقتراحه شيئًا جميلًا، لم يكتفِ بأن أكون شريكة حياته، بل أرادني أيضًا أن أكون شريكته في عمله وحلمه.
وافقت فورًا.
قمت بفك جميع الودائع التي أحتفظ بها، وبعت كل ما أملكه من ذهب ومجوهرات، وقدمت له المال، بل قدمت أكثر بكثير مما كان يحتاج إليه.
قلت له:
— المشروع بحاجة إلى دعم في العامين الأولين، أريدك أن تعمل عليه بذهن صافٍ وبالٍ مرتاح.
لم أسأله عن ضمانات، ولم أطلب عقدًا يثبت حقي، ولم أفكر حتى في الأمر من هذه الزاوية.
كان يكفيني أنني أثق به.
وضعت مدخراتي بين يديه، كما وضعت قلبي وحياتي من قبل؛ بثقة كاملة، وبلا حساب.
لكن البداية لم تكن سهلة.
كان المشروع يحتاج إلى وقت حتى يقف على قدميه، ومررنا بظروف مالية أقسى من ذي قبل، ظللنا قرابة عامين ننتظر أن يبدأ المشروع في تحقيق أي مردود حقيقي، وخلال تلك الفترة كنا ننفق عليه من راتب زوجي، ومن مساعدات والدي ووالده.
كانت هناك أيام لم نكن نجد فيها حتى ثمن علبة حليب للأطفال.
ومع ذلك، كنت أنظر إلى الوضع بعين القناعة.
كان زوجي معي، وهذا وحده كان يكفيني.
كنت أقول لنفسي:
«لا بأس... ستتحسن الأمور، وسينجح مشروعنا ذات يوم، وما دمنا معًا فكل شيء يهون.»
ومرت الأيام، وبدأ المشروع يعمل فعلًا. أخذ ينمو شيئًا فشيئًا، وتحسنت أحوال زوجي المادية بصورة واضحة.
ثم بدأ النجاح يظهر عليه في تفاصيل حياته.
صار يغيّر سيارته تقريبًا كل عام، وينفق بسخاء على نفسه، وبدأ مستوى معيشته يرتفع بصورة لافتة.
أما أنا، فحين كنت أطلب منه مصروفي أو بعض احتياجاتي، كان يجيبني:
— ما زلت أعاني من الديون... لا تغرك السيارة الجديدة، إنها واجهة أمام عملائي، ثم إنها بالأقساط.
وكانت تتبع ذلك مبررات كثيرة، وتفسيرات أكثر.
وكنت أصدقه.
أو ربما... كنت أريد أن أصدقه.
فأنا التي وضعت مدخراتي في مشروعه، وتحملت معه سنوات الضيق، لم أفكر يومها في أن أسأل:
أين ذهبت شراكتي؟
وماذا أصبح لي في هذا المشروع؟
كنت لا أزال أرى نفسي زوجة قبل أن أرى نفسي شريكة.
لكن بعد أن أنجبت طفلتي بسمة، وكانت الثالثة بعد حمد ومنصور، بدأت ألاحظ تغيرًا في مشاعر زوجي تجاهي،
لم يكن التغير مفاجئًا، لكنه كان واضحًا بما يكفي لأشعر به، وإن كنت في البداية قد حاولت ألا ألتفت إليه.
قلت لنفسي:
ربما يمر بضائقة مالية.
وربما ضغوط العمل أثقلت عليه.
لكن سرعان ما بدا لي هذا التفسير غير منطقي.
كيف يكون في ضائقة مالية، والأموال تتدفق عليه من كل جانب؟
ثم أدركت، بعد وقت، أن المشكلة لم تكن في المال أصلًا...
المشكلة باتت في مشاعر زوجي.
لقد تغيّر زوجي كثيرًا.
ذلك الزوج المخلص، والأب الحنون، لم يعد كما كان، اختفى اهتمامه بنا شيئًا فشيئًا، وحلّ مكانه توتر دائم وعصبية لا تنتهي.
أصبح سريع الغضب، كثير التذمر، لا يعجبه شيء تقريبًا، ينتقدني على كل صغيرة وكبيرة، على ما فعلته، وعلى ما لم أفعله، وعلى أشياء لم أكن أفهم أحيانًا كيف أصبحت مشكلة من الأساس.
وكان كل انتقاد منه يترك في داخلي أثرًا قاسيًا.
كنت أنهار نفسيًا، وأشعر بالإرهاق، حتى إنني في بعض الأحيان كنت أشعر باختناق حقيقي، وكأن الكلام الذي يوجهه إليّ يضغط على صدري.
حاولت أن أتحدث معه.
سألته أكثر من مرة:
— ماذا حدث لك؟ لماذا تغيرت؟ هل فعلت شيئًا أغضبك؟
كنت أريد أن أفهم، لا أن أتشاجر.
لكن كل محاولة للحوار كانت تنتهي بالطريقة نفسها، يتحول الحديث إلى شجار، مهما حاولت أن أهدئه، ومهما خفضت صوتي، ومهما انتقيت كلماتي.
وفي إحدى المرات، كنت قد ضقت بالبيت ، واشتقت إلى أن أخرج قليلًا، وأن أتنفس شيئًا من الحياة التي تلاشت من حولي.
قلت له:
— خذني في نزهة قصيرة.
رفض.
حاولت مرة أخرى، ثم جلست أرجوه، وقد فاض بي ما فاض:
— أرجوك... خذني قليلًا. أريد أن أغير جو، لقد مللت من البيت... مللت، أرجوك، خذني في نزهة.
نظر إليّ ببرود وقال:
— اذهبي إلى أهلك، فأنا مشغول ولست متفرغًا.
كانت جملة قصيرة... لكنها صدمتني،
لم تكن المشكلة في أنه رفض الخروج معي، بل المؤلم أنني كنت أطلب منه دقائق قليلة من وقته، بينما كنت أشعرني أني طلبت منه شيئًا من الصعب عليه أن يفعله من اجلي.
قلت له، وأنا أحاول أن أتمسك بما تبقى لي من أمل:
— لكنني أشتاق إليك... أفتقدك. أريد أن أخرج معك، فقد مضى وقت طويل منذ أن خرجنا معًا.
وما إن قلتها حتى رأيت على وجهه مزيجًا من الضيق والنفور، وانفجر صارخا:
— أيُّ نزهة أخرجها معكِ؟! ألا يكفي أنني «ملازم لوجهكِ في البيت»؟ حتى خارج البيت أجدكِ ورائي ورائي! لقد مللت... وضاق صدري! ما الجديد الذي لديكِ؟! لقد مللت منكِ... ألا تفهمين!
"ألا تفهمين... ألا تفهمين... ألا تفهمين..."
ظلت كلماته تتردد في صدري، كفأس ثقيل أخذ يحفر داخلي شقوقًا متتالية.
شعرت وكأنني أهوي إلى وادٍ سحيق، أصرخ بكل ما أوتيت من ألم، ولا أحد يسمعني.
قال كلماته، ثم خرج.
خرج وتركني وحدي...
لكنني لم أكن وحدي حقًا.
ترك في الغرفة امرأة لا أعرفها.
امرأة منكوبة، منبوذة، تشعر بأنها مكروهة، غريبة حتى عن نفسها؛ امرأة تبكي على صدرها، تتأوه، وتصرخ في صمت، ولا تعرف إلى أين تذهب بهذا الألم.
جلست وحدي أفكر:
ما الذي حدث قبل قليل؟ من هذا الرجل الذي صرخ في وجهي؟ هل من المعقول أن يكون هذا زوجي الذي أحببته كل هذه السنوات؟ أم أن روحا شريرة استولت عليه وحوّله إلى شخص آخر؟
شعرت أنني أغرق في بئر عميقة، لا أرى فيها بصيص أمل.
لم أفهم ما حدث.
رأيت وجهًا غريبًا لرجل كنت أعتقد أنني أعرفه جيدًا، سمعت كلمات لم أتخيل يومًا أن أسمعها منه. عشت طوال حياتي امرأة محترمة من الجميع، ومن نفسي قبل كل شيء. وأكثر شخص كنت أعتقد أنه سيعاملني باحترام ما حييت كان زوجي.
لكنه سحق كرامتي قبل قليل، دون أن يرف له جفن.
مزق قلبًا كان يحبه بكل ما فيه، وكأن الأمر لا يعنيه.
ولم أعد أعرف من هذا الرجل، ومن يكون.
والأسوأ من ذلك...
أنني أنا نفسي لم أعد أعرف من أنا، ومن أكون.
اتصلت بأمي. كنت بحاجة إلى صوتها، إلى حضنها، حتى لو جاءني عبر الهاتف.
بكيت في البداية بحرقة، بكيت بلا توقف، كنت تائهة بشدة، بحاجة إلى حضنها الدافئ، شكوت لها ما آلت إليه حياتي، وحكيت لها ما حدث بيني وبين زوجي.
قالت لي:
— استحملي يا ابنتي... كل رجل يمر بمرحلة وتعدي، كوني أنتِ الأفضل، وقومي بواجبك نحوه، ولا تقصري في حقه.
أغلقت الهاتف وأنا أشعر بمنتهى العجز.
كنت أتساءل في داخلي: كيف يمكنني أن أتجاوز ما حدث بهذه السهولة؟ كيف أنسى جرحًا لم يلتئم بعد، وإهانة ما زالت كلماتها ترن في أذني؟
ومع ذلك، فعلت ما اعتدت أن أفعله مؤخرًا...
الصمت.
لم أعد أتحدث معه، وحرصت على ألا أكون في الغرفة التي يوجد فيها، كنت أبتعد عنه بهدوء، من دون مواجهة أو عتاب أو شكوى.
كان كل ما أتمناه أن يشعر بخطئه.
كنت أنتظر اعتذاره.
قلت لنفسي: سيعتذر يومًا ما... ربما غدًا، ربما بعد أسبوع، وربما بعد شهر.
لكن الأيام مضت.
يوم... ثم أسبوع... ثم شهر.
ثم شهر آخر.
ومرت ثلاثة أشهر كاملة دون أن ينطق معي بكلمة واحدة.
وفي تلك الفترة، اتصل بي أخي.
قال لي إن الأسهم التي كنت قد اشتريتها قبل زواجي، بالشراكة معه، ارتفع سعرها، وأصبح بيعها مغريًا، ثم سألني، بكل ما اعتدته منه من حب واحترام:
— ما رأيك أن نبيع؟
قلت له:
— كما ترى.
وهكذا باع الأسهم، وكان المبلغ جيدًا، وكانت حصتي نصفه.
جاءني أخي إلى البيت في ذلك اليوم، وكان زوجي خارج المنزل. أعطاني مالي، ثم قال لي جملة بقيت في ذاكرتي إلى اليوم:
— احفظي مالك جيدًا... فلا أحد يستحقه غيرك.
لم أفهم يومها لماذا علقت هذه الجملة في ذهني بهذا الشكل.
أخذت المال، ووضعته على طاولة قرب السرير.
وفي المساء، عاد زوجي إلى البيت لبعض الوقت، كان يريد أن يبدل ملابسه ثم يخرج ليكمل سهرته.
دخل، فرأى رزمة المال.
توقف.
وللمرة الأولى منذ ثلاثة أشهر، وجّه إليّ الكلام:
— ما هذا المال؟ ومن أين أتيتِ به؟
أخبرته بالحقيقة.
سألني:
— وهل لديك أسهم أخرى؟
أجبته:
— لا.
ولم أقل له الحقيقة كاملة.
ففي الواقع، كان لديّ الكثير من الأسهم، وكانت جميعها مسجلة باسم أخي. كنت قد اشتريتها خلال سنوات عملي، إضافة إلى متجر كنت أملكه بالشراكة مع أخي الأصغر. وكان والدي قد نصحني منذ البداية ألا أفصح لزوجي عن هذه الأمور.
لم يناقشني طويلًا.
ترك المال جانبًا، ثم دخل غرفة النوم وبدّل ملابسه، وأخذ بيجامته، وعاد إليّ.
جلس إلى جواري على الأريكة.
ثم، وكأن ثلاثة أشهر بلياليها لم تمر، وكأنه لم يهجرني خلالها ولم يتجاهلني، مد ذراعيه وطوقني بمنتهى الشوق واللهفة.
واستسلمت له أنا أيضًا... هكذا، ببساطة.
وكأن شيئًا لم يحدث.
ثلاثة أشهر من الصمت والإهانة والوجع...
تناسيتها أنا فجأة... من أجل حضن.
حضن قد لا يكون صادقًا...!!!
في صباح اليوم التالي، قلت له:
— أريد أن أذهب إلى البنك لأودع المبلغ.
فقال فورًا:
— أنا أودعه عنك.
أجبته:
— لا يمكنك، أريد تحويله إلى وديعة، وهذا يتطلب وجودي شخصيًا.
قال بكل بساطة:
— إذن غدًا آخذك.
لكن الغد جاء، ولم نذهب.
ثم جاء اليوم الذي يليه، ثم الذي بعده... وفي كل مرة كان يؤجل الأمر بحجة أو سبب مختلف، حتى مرّ شهر كامل.
والغريب أنه طوال ذلك الشهر كان يعاملني بأفضل معاملة.
كان يحيطني بالاهتمام، ويغدق عليّ أجمل العبارات، ويأخذني للخروج، بل اشترى لي ملابس جديدة... لأول مرة منذ فترة طويلة.
كنت أراقب هذا التحول ولا أفهمه.
هل عاد زوجي الذي أعرفه؟
هل انتهت تلك القسوة؟
أم أن هناك شيئًا آخر لا أعرفه؟
ثم جاءني ذات يوم على غير عادته، متجهم الوجه، مثقل الخطوات، وتمدد على فراشه وأخذ يتأوه.
سألته:
— ما بك؟
قال:
— لا شيء.
لكنني كنت أعرفه، فقلت:
— بل أنت منزعج وحزين... ماذا حدث؟
تنهد طويلًا، ثم قال:
— لقد ارتكبت غلطة كبيرة جدًا، غامرت في صفقة سيارات، وأنا لا أملك رأس المال الكافي، ثم اكتشفت أن السيارات لا تصلح للبيع، أنا الآن متورط... وقد أصل إلى السجن.
في تلك اللحظة، شعرت بشيء بارد ينساب في داخلي.
لم يكن خوفي على المال.
فالمال، رغم كل ما حدث، كان آخر ما يشغلني.
الذي شعرت به كان شيئًا آخر...
وحشة الاستنزاف.
للمرة الأولى، مرّ في ذهني السؤال الذي كنت أهرب منه منذ سنوات:
هل يستغلني؟
.
.
أين بقية الرواية؟
ما نُشر هنا ليس الرواية كاملة، وإنما جزء من العمل فقط. أما بقية فصول وأحداث رواية «أم بسمة» فلم تُنشر بعد، وستصدر تباعًا ضمن النسخة المعتمدة والكاملة من الرواية.
وقد أتيح هذا الجزء للقارئ للتعريف بالعمل وشخصياته وأجوائه، دون أن يمثل ذلك إتاحة للرواية كاملة أو إذنًا بنسخ أجزائها أو إعادة نشرها أو تداولها.
ما نُشر هنا جزء من رواية «أم بسمة» فقط، ولا يمثل الرواية كاملة.
بقية الفصول والأحداث والتفاصيل غير منشورة في أي مكان آخر، فلا تبحثون عنها، سأقوم بنشرها في بداية عام 2027، على موقعي الرسمي وهو تحت الآنشاء حاليا، ويمكنكم في ذلك الوقت قراءة الرواية كاملة عند إتاحتها رسميًا على موقعي الجديد.
للحصول على الرواية كاملة، تابعوني على مواقع التواصل الاجتماعي، ليصلكم الإعلان عن افتتاح الموقع، وليتسنى لكم التسجيل والدخول للوصول إلى النسخة الكاملة عندما أنشرها.
أما النسخ التي يتم تداولها خارج قنواتي الرسمية، فهي نسخ تم تشويه أحداثها ولا تمثل الإصدار الرسمي للرواية. وسيتم التعامل مع هذه التجاوزات واتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة بحق مرتكبيها، بما في ذلك من ينشرون أجزاءً مقتطعة أو غير منشورة من المصنف، وفقًا للقوانين والأنظمة المعمول بها. وسيتم التعامل معهم قانونيا، ويشمل ذلك أي شخص أو حساب أو موقع يقوم بنشر أجزاء من الرواية أو إعادة تداولها أو إتاحتها للغير.
⚠️ تنبيه قانوني وحقوق الملكية الفكرية
هذه الرواية مصنف فكري وأدبي محمي بموجب قوانين حماية حقوق المؤلف والملكية الفكرية. جميع الحقوق المتعلقة بالنص محفوظة للمؤلفة، ويشمل ذلك محتوى الرواية، وشخصياتها، وأحداثها، وحواراتها، وأسلوبها، وبنيتها السردية، وأي محتوى أصيل وارد فيها.
يُمنع منعًا باتًا نسخ الرواية أو أي جزء منها، أو إعادة نشرها، أو توزيعها، أو تصويرها، أو تسجيلها، أو تحميلها، أو تخزينها على أي منصة، أو مشاركتها عبر المواقع والمنتديات ووسائل التواصل الاجتماعي، أو إرسالها للغير، أو اقتباس أجزاء منها بقصد إعادة إنتاجها أو تداولها، أو تحويلها إلى محتوى صوتي أو مرئي أو رقمي، أو ترجمتها أو إعادة صياغتها أو استغلالها تجاريًا، دون الحصول على إذن كتابي مسبق وصريح من صاحبة الحقوق.
كما يُمنع استخدام محتوى الرواية أو شخصياتها أو أحداثها أو حواراتها أو أفكار معالجتها وبنيتها السردية في إنتاج عمل آخر أو محتوى مشتق أو مادة تدريبية أو إعلامية دون تصريح.
ويُعد أي استخدام أو نشر أو تداول غير مصرح به تعديًا على حقوق المؤلفة، ويحق لصاحبة الحقوق اتخاذ جميع الإجراءات القانونية المتاحة للمطالبة بوقف التعدي وحفظ حقوقها والمطالبة بالتعويض عن الأضرار الناتجة عنه، وفقًا للقوانين والأنظمة المعمول بها.
وجود الرواية في صورة إلكترونية أو رقمية لا يمنح أي شخص حق نسخها أو تداولها أو إعادة نشرها. كما أن شراء أو الحصول على نسخة من الرواية لا يعني انتقال حقوق التأليف أو النشر أو الاستغلال إلى المشتري.
جميع الحقوق محفوظة © ناعمة — 2026
كما أن وجود أي نسخة من الرواية، كاملة أو مجزأة، على أي موقع إلكتروني أو منصة أو حساب من حسابات التواصل الاجتماعي، أو تداولها بين الأفراد، لا يمنح ناشرها أو متداولها أي حق في استخدامها أو إعادة نشرها أو الترويج لها. وسيتم رصد النسخ غير المصرح بها، والتعامل مع المواقع والحسابات والجهات التي تقوم بنشر الرواية أو تداولها أو إعادة إنتاجها أو إتاحتها للغير، واتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة بحقها، عاجلًا أو آجلًا، وفقًا للأنظمة والقوانين المعمول بها.
ولا يُعتد في مواجهة صاحبة الحقوق بأي ادعاء بأن النسخة كانت منشورة سابقًا، أو أن الناشر حصل عليها من طرف آخر، أو أن تداولها كان لأغراض شخصية أو غير تجارية؛ فوجود المصنف في أي مكان لا يسقط حقوق مؤلفته ولا يمنح الغير ترخيصًا باستخدامه.
جميع الحقوق محفوظة، وأي استخدام غير مصرح به سيُعامل بوصفه تعديًا على حقوق الملكية الفكرية، مع احتفاظ صاحبة الحقوق بكامل حقها في المطالبة بوقف التعدي والتعويض عن الأضرار واتخاذ ما يلزم من إجراءات نظامية وقانونية.
إعلان :
كما أعلن هنا أنا الأستاذة ناعمة عن فتح باب الاستشارات من جديد وذلك منذ يوليو 2026، للراغبات في التسجيل والاستفادة من خدمات الاستشارات اقرأ هذا هنـــا: كيفية طلب الاستشارة مع الأستاذة ناعمة
أولا: الملف التعريفي للحالة
رمز الحالة: أم بسمة
عمر الحالة عن الزيارة: 34 عامًا | عمر الزوج: 36 عامًا
مدة الزواج: 10 سنوات | تاريخ الزواج: 1992
عدد الأبناء: 3 أبناء، ولدين وبنت، حمد 8 أعوام، منصور 6 أعوام، بسمة 4 أعوام
الفترة الزمنية للأحداث: 2003–2006. تمت الزيارة الأولى في ديسمبر 2003
نوع الحالة: حالة زوجية تتسم باستنزاف عاطفي مزمن ووحدة داخل العلاقة الزوجية، مع تراجع واضح في العناية بالذات والحياة الاجتماعية، مع ظهور أعراض انفعالية مؤثرة في حياتها اليومية وعلاقتها بأبنائها، بالتوازي مع تلقيها متابعة نفسية متخصصة.
السياق الأسري: زواج مستمر منذ سنوات، مع وجود ثلاثة أبناء، وتراجع في الحضور العاطفي للزوج وانشغاله المتكرر خارج المنزل، مما أدى تدريجيًا إلى اتساع المسافة بين الزوجين وتحول الحياة الزوجية إلى علاقة يغلب عليها الجفاف والوحدة، مع استمرار الزوجة في محاولة الحفاظ على الزواج وإصلاح العلاقة من جانبها.
المشكلة المركزية: فقدان الاتصال بالذات نتيجة الاستنزاف المستمر داخل العلاقة الزوجية، وما صاحبه من شعور بالوحدة والعجز وتراجع الإحساس بالحياة خارج دور الزوجة والأم.
المشكلة الظاهرة عند طلب المساعدة: حزن مستمر، كثرة بكاء، عصبية، إنهاك نفسي، شعور بالوحدة، وتدهور في القدرة على الاستمرار بالنسق نفسه.
المشكلة العلاقية الأساسية: هجر عاطفي متفاقم، وانخفاض في الحضور والمشاركة والاهتمام داخل الزواج، مع شعور الزوجة بأنها تبذل جهدًا متواصلًا دون استجابة مقابلة.
العوامل المؤثرة: انشغال الزوج، ضعف التواصل، تراكم الخلافات، التنازلات المتكررة من الزوجة، تضييق حياتها حول الزواج والأسرة، وغياب المساحة الشخصية والاجتماعية التي يمكن أن تستعيد من خلالها توازنها.
أثر الحالة على الأبناء: ظهور مؤشرات من القلق والعصبية والحزن والانطواء لدى الأطفال، كما لاحظت الأم، الأمر الذي جعلها تدرك أن استمرار حالتها لم يعد شأنًا شخصيًا يخصها وحدها.
محاولات طلب المساعدة السابقة: زيارة طبيب نفسي، ثم اللجوء إلى الأخت، ثم حضور محاضرات ودورات في الثقافة الزوجية، مع محاولة تطبيق النصائح المتعلقة بالعناية بالزوج والعلاقة الزوجية.
نمط المواجهة السابق: محاولة مستمرة لتعديل الذات وإرضاء الزوج وإصلاح العلاقة، مع تحمل متزايد للمسؤولية عن المشكلة.
نقطة التحول الأولى: اللقاء بالصديقة القديمة، وما صاحبه من مقارنة تلقائية بين حياتها وحياة صديقتها واستعادة مؤقتة لشعورها بالحياة والفرح.
نقطة التحول الثانية: الإفصاح الكامل للصديقة عن معاناتها بعد سنوات من الكتمان، وما نتج عنه من تفريغ انفعالي وشعور أولي بالراحة.
التحول الأولي في الحالة: عودة مؤقتة لبعض مظاهر الحيوية، واستعادة التواصل مع الأبناء، وتكوين مساحة اجتماعية آمنة خارج إطار الزواج، وظهور أول مؤشر على إمكانية التغيير.
الجلسة الأولى: أم بسمة قبل وبعد الزواج
كانت من أوائل الحالات التي استقبلتها في مكتبي، وذلك في أواخر عام 2003.
دخلت إليّ امرأة في أوائل الثلاثينيات، تبدو على ملامحها آثار إنهاك نفسي واضح، كان وجهها شاحبًا، وقد غلب عليه الحزن والذبول، رغم احتفاظه بجمال لافت وهيبة هادئة، تقدمت بخطوات واهنة، وبدا في طريقة دخولها وجلوسها شيء من الاستسلام؛ ذلك النوع من الاستسلام الذي لا يعني بالضرورة التوقف عن طلب المساعدة، بل قد يعكس وصول الإنسان إلى مرحلة يشعر فيها بأن خياراته قد استُنفدت، ومع ذلك يقرر أن يمنح نفسه محاولة أخيرة.
كان انطباعي الأول أنني أمام امرأة لا تأتي إلى الاستشارة بحثًا عن إجابة بسيطة لمشكلة عابرة، وإنما تحمل معها تجربة أثرت في قدرتها على الأمل وفي تصورها لإمكانية إصلاح ما حدث.
كانت ممشوقة القوام، شامخة الملامح، ذات شعر أسود فاحم وعينين كحيلتين. ولم يكن في مظهرها ما يشير إلى انهيار خارجي كامل؛ بل كان اللافت هو التناقض بين حضورها الجسدي المحتفظ بقوته، وبين العلامات الانفعالية التي ظهرت على وجهها وحركتها.
وكان هذا التناقض مهمًا في قراءة الحالة منذ اللقاء الأول. فالإنهاك النفسي لا يظهر دائمًا في صورة انهيار واضح؛ فقد يستطيع الإنسان أن يحتفظ بمظهره الخارجي وقدرته على التماسك، بينما تحمل لغة الجسد، ونبرة الصوت، وطريقة الدخول إلى المكان، ودرجة التواصل البصري، مؤشرات مختلفة تمامًا عن الصورة التي يقدمها للآخرين.
لم أكن أملك في تلك اللحظة سوى الانطباع الأول، ولذلك لم يكن من المهني أن أستنتج منه طبيعة المشكلة أو أقرر مسبقًا ما تحتاج إليه. كان عليّ أولًا أن أستمع، وأن أفهم سياق حياتها، وأن أميز بين ما تشعر به الآن وبين ما أوصلها إلى هذه النقطة.
كانت هذه بداية حالة أم بسمة؛ المرأة التي لم أكن أعرف يومها أن قصتها ستبقى في ذاكرتي طويلًا، لأنها ستكشف لي، كما ستكشف للقارئ لاحقًا، كيف يمكن لأزمة واحدة داخل الزواج أن تهز قناعات الإنسان عن الحب والوفاء والتضحية، ثم تدفعه إلى إعادة النظر في علاقته بنفسه.
قالت:
— السلام عليكم.
كان صوتها مألوفًا لي على نحوٍ ما. صافحتها وقلت:
— وعليكم السلام... أهلًا وسهلًا، تفضلي.
وكعادتي في استقبال الحالات، كنت أترك للزائرة حرية اختيار مكان الجلوس، بين الكرسي المقابل لمكتبي أو الأريكة القريبة.
اختارت الكرسي المقابل للمكتب.
لم أعتبر اختيارها دليلًا على سمة شخصية محددة، لكنه لفت انتباهي في تلك اللحظة إلى حضورها العملي وطريقتها المباشرة في التعامل مع الموقف.
جلست أمامي، وكانت ابتسامتها مائلة، لا تكاد تكتمل، رافقتها رمشة طويلة وزفرة عميقة. كانت هذه المظاهر، إلى جانب شحوب وجهها وحركتها البطيئة، توحي بوجود ثقل انفعالي واضح، وإن كان من المبكر في اللقاء الأول تحديد طبيعته أو أسبابه.
وضعت حقيبة يدها المتواضعة إلى جوارها، ثم أخذت ترتب عباءتها بعناية، محاولة أن تستر بها الثوب البسيط الذي كانت ترتديه.
لم أتعامل مع هذه التفاصيل باعتبارها دليلًا على حالتها النفسية، لكنها كانت جزءًا من الصورة التي قدمتها في اللقاء الأول: امرأة تبدو شديدة الانتباه إلى مظهرها أمام الآخرين، وفي الوقت نفسه حريصة على ألا تلفت الانتباه إلى ما قد تعتبره نقصًا في مظهرها أو وضعها.
ثم نظرت إليّ وقالت:
— توقعتك أكبر سنًا... يبدو أنكِ في العشرينات.
ابتسمت وقلت:
— صحيح، لكن هل تعتقدين أن عمري يمكن أن يجعل استشارتي أقل جودة؟
سارعت إلى الرد:
— لا، بالتأكيد، لا أقصد ذلك... لكني... ربما... لا أعرف، حين سمعت عنك، توقعت أنك في الأربعين أو الخمسين... أعني...
توقفت، وكأنها لم تجد الكلمات المناسبة لإكمال عبارتها.
كان هذا الحوار القصير مهمًا بالنسبة إليّ؛ ليس بسبب عمرها أو عمري، وإنما لأنه كشف منذ اللحظات الأولى عن حاجتها إلى التأكد من أن الشخص الذي أمامها يمتلك ما يكفي من الخبرة لفهم ما تحمل.
كانت تبحث، قبل أن تبدأ رواية مشكلتها، عن شيء من الأمان المهني.
وهذا أمر يتكرر في كثير من الحالات التي تصل إلى الاستشارة بعد فترة طويلة من المعاناة؛ فالشخص لا يدخل الجلسة وفي ذهنه مشكلة واحدة فقط، بل يدخل ومعه أسئلة أخرى غير معلنة:
هل سيفهمني هذا الشخص؟
هل سيصدق ما أقول؟
هل سيعتبرني مبالغة؟
هل سيحمّلني مسؤولية ما حدث؟
وهل يستطيع فعلًا أن يرشدني إلى مخرج؟
لذلك لم أستعجل تفسير صمتها أو ترددها، ولم أعتبر انطباعي الأول حكمًا على شخصيتها. كانت تلك مجرد ملاحظات أولية ستحتاج إلى أن تختبرها بقية الجلسة.
وكان الأهم بالنسبة إليّ أن أمنحها المساحة التي جاءت من أجلها.
أن تتحدث.
بداية الإفصاح: من القلق إلى الأمان
في تلك اللحظة، بدا لي أن أم بسمة بدأت تشعر بشيء من القلق، ظهر الاضطراب في ملامحها، ثم سألتني:
— من أين أبدأ؟
قلت لها ببساطة:
— من كوب شاي وقطعة بسكويت مثلًا.
وللمرة الأولى منذ دخولها، انفرجت ملامحها عن ابتسامة أكثر راحة، وظهرت في عينيها لمعة بدت وكأنها كانت غائبة عنها منذ وقت طويل.
— فعلًا؟!... شكرًا لك. بالتأكيد، قد تكون هذه بداية جيدة.
سألتها:
— هل تفضلينه بالنعناع؟
ازدادت ملامحها استرخاءً، وقالت:
— بالتأكيد... شكرًا لك.
ثم سكتت لحظة، قبل أن تقول بصوت خافت:
— في الحقيقة، أخشى أن يمضي الوقت قبل أن أسرد لك مشكلتي، فأنا بالفعل أشعر أنني غارقة... منهارة... ضائعة إلى أبعد حد، وأكاد أجزم أنني أيضًا في منتهى الوحدة والألم.
كانت هذه أول إفادة مباشرة منها عن حالتها الانفعالية.
ولم أتعامل مع كلمات مثل «منهارة» و«ضائعة» بوصفها تشخيصًا، وإنما بوصفها وصفًا ذاتيًا للحالة كما كانت تعيشها هي، فاللغة التي يستخدمها صاحب المشكلة في وصف تجربته تحمل أهمية كبيرة في فهم الطريقة التي يدرك بها وضعه، لكنها تحتاج دائمًا إلى أن تُقرأ في سياق القصة كاملة.
في تلك اللحظة، كان واضحًا أن القضية بالنسبة إليها لم تكن مشكلة زوجية محددة يمكن اختصارها في خلاف أو موقف عابر، كانت تتحدث عن تجربة أوسع من ذلك: وحدة، ألم، عجز، واستنزاف تراكم على مدى سنوات.
ومن خلال خبرتي في الاستشارات، كنت أعرف أن كثيرًا من النساء لا يصلن إلى طلب المساعدة عند بداية المشكلة، وإنما بعد أن تكون محاولاتهن الخاصة قد استنفدت معظم طاقتهن.
يصلن بعد سنوات من الاحتمال، وبعد محاولات متكررة للتكيف، وبعد البحث عن حلول في أكثر من اتجاه.
لكنني تعلمت أيضًا ألا أفترض أن كل حالة متشابهة لمجرد أن أعراضها الخارجية متشابهة.
فالأحزان ليست قصة واحدة، والوحدة لا تأتي من سبب واحد، والإنهاك داخل الزواج قد ينشأ من مسارات متعددة ومختلفة.
لذلك كان عليّ أن أترك أم بسمة تروي قصتها بلغتها هي.
كنت أريد أن أعرف:
متى بدأ التغير؟
كيف كانت علاقتها بزوجها قبل ذلك؟
ماذا فعلت عندما بدأت تشعر بالابتعاد؟
هل تحدثت معه؟
هل حاولت إصلاح العلاقة؟
ماذا كانت تتوقع منه؟
وماذا حدث لها هي خلال السنوات التي كانت تحاول فيها الحفاظ على الزواج؟
هذه الأسئلة كانت أهم من أي نصيحة يمكن أن أقدمها في تلك اللحظة.
ففي الاستشارة الجيدة، لا تبدأ المعالجة من السؤال: ماذا ينبغي أن تفعل؟
بل من السؤال الأسبق:
ماذا حدث لها حتى وصلت إلى هنا؟
وهذا تحديدًا ما كنت أحتاج إلى معرفته من أم بسمة.
أما ما كانت تقوله عن نفسها في تلك اللحظة، فقد كان كافيًا لأدرك أنني أمام امرأة استنزفتها سنوات من الوحدة داخل علاقة يفترض أن تكون مصدرًا للأمان والاحتواء، وأن استعادة توازنها لن تبدأ بمحاولة دفعها إلى مزيد من الاحتمال، وإنما بفهم ما الذي فقدته خلال هذه السنوات، وكيف يمكن أن تستعيده.
نظرت إليها بشيء من التشجيع، وقلت:
— تفضلي... تحدثي. أنا كلي آذان صاغية.
بقيت للحظات تبحث عن بداية مناسبة، ثم قالت:
— لا أعرف من أين أبدأ.
نظرت إلى الملف الذي حملته بين يدي منذ البداية، كنت قد قرأته بعناية قبل أن تدخل، وعرفت منه خطوطًا كثيرة في قصتها، لكنني كنت أؤمن دائمًا أن ما تكتبه النفس على الورق ليس بالضرورة هو كل ما تقوله حين تبدأ بالكلام، هناك أشياء تكشفها النبرة، وأخرى تفضحها العينان، وأشياء لا تقولها الكلمات أبدًا، لكن الجسد يقولها من دون قصد.
قلت لها بهدوء:
— لنبحث عن البداية إذن... دعينا نعود إلى أبعد نقطة تتذكرينها، إلى نشأتك، طفولتك، إلى البيت الذي كبرتِ فيه.
ثم فتحت الملف أمامي، وقلت:
— قرأت ما كتبتِه هنا، وأعرف ما دوّنته عن حياتك، لكنني أريد أن أسمعه منك أنتِ، أريد أن أراكِ وأنت تستعيدين الأحداث، أحيانًا تخبرنا طريقة رواية الإنسان لقصته أكثر مما تخبرنا القصة نفسها.
توقفت لحظة، ثم أضفت بنبرة مطمئنة:
— لا تبحثي عن الكلمات المناسبة، ولا تحاولي أن ترتبي الأحداث كما لو أنك تكتبين قصة، فقط تحدثي، كما تتذكرين، خذي راحتك، وتحدثي بحرية، وأنا سأستمع.
وهنا كنت أعرف تمامًا ما الذي سيحدث.
فما إن أمنح امرأةً الإذن بأن تتحدث بلا قيود، وأن تقول كل ما في قلبها، وأن تخرج إلى النور كل ما كتمته لسنوات، حتى أعرف أن كل شيء كتمته في داخلها سيجد الطريق للنور.
ربما لم تكن قد تحدثت من قبل، لا لأنها لم تكن بحاجة إلى الكلام، بل لأنها لم تجد الشخص الذي تستطيع أن تقول أمامه كل شيء دون خوف، لم تكن تريد شماتة أعدائها، ولا شفقة أصدقائها، ولا أن تزرع القلق في قلوب أهلها حين يكتشفون حقيقة ما تعانيه. لذلك مثلها مثل العديد من النساء اختارت الصمت، وارتدت قناع القوة، ومضت في حياتها وكأنها بخير.
كنت أعرف أن اللحظة التي أقول فيها: «تحدثي بحرية» ستكون كافية لفتح كل الأبواب التي ظلت مغلقة سنوات.
فعند هذه اللحظة بالذات أعتدت أن أرى كيف تنهار الحصون، حينما تسترخي الأكتاف التي ظلت مشدودة طويلًا، وتتراجع الأجساد إلى الخلف، كأنها أخيرًا وجدت مكانًا آمنًا تستند إليه، ثم ينطلق الكلام بلا توقف، كلمات متلاحقة، متدفقة، يصعب إيقافها أو حتى تنظيمها.
تخرج الكلمات منهن كما تخرج الحمم من فوهة بركان ظل خامدًا لسنوات، متناثرة، متدفقة، مثقلة بكل ما تراكم في الداخل من كبت، وضغط، وخوف، وخيبات، ووحدة، وضياع.
وفي تلك اللحظة تحديدًا، لم يعد أمامي شخص جاء ليحكي مشكلة، بل إنسانة جاءت، للمرة الأولى، لتتخلص من حملٍ أثقل قلبها لسنوات.
قالت وهي تتفحّص وجهي بعينين قلقتين، كأنها تبحث في ملامحي عن أي إشارة قد توحي بأنني أشك في كلامها أو أراها مبالغة فيما تقول.
ثم قالت، وكأنها تستدرك صورة كانت تخشى أن يكون مظهرها قد رسمها في ذهني:
— رغم مظهري الحالي، الذي قد يوحي بالفقر أو الإهمال، فإن الحقيقة مختلفة تمامًا. لقد نشأت في أسرة ميسورة ومميزة. كان والداي من المثقفين، ولهما مكانة اجتماعية ومناصب مرموقة. والحمد لله، عشت طفولة سعيدة ومدللة، ولم أشعر يومًا أنني أقل من أحد.
ثم ابتسمت ابتسامة خفيفة وأردفت:
— لكن والدي، رغم كل ما وفره لي، لم يربّني على الاتكال أو الدلال الزائد. علّمني القوة، والثقة بالنفس، والشجاعة، والحكمة. كان يريدني دائمًا أن أكون قادرة على مواجهة الحياة، مهما كانت الظروف.
سكتت قليلًا، وكأنها تستعيد سنوات بعيدة، ثم تابعت:
— وعندما اخترت دراسة الإعلام، لم يعترض والدي كما يفعل كثير من الآباء، بل شجعني ودعمني، وبعد تخرجي أصرّ على أن أعمل، وبالفعل حصلت على وظيفة جيدة في إحدى المؤسسات الإعلامية.
أطلقت زفرة قصيرة، وقالت:
— كانت حياتي جميلة في ذلك الوقت... لم تكن لديّ مشكلات حقيقية تُذكر. كنت أعيش حياة مستقرة، وأشعر أن المستقبل أمامي مفتوح.
توقفت قليلًا، ثم قالت فجأة:
— ونسيت أن أخبرك شيئًا مهمًا...
نظرت إليّ، ثم ابتسمت:
— كنت متفوقة طوال سنوات دراستي. كنت دائمًا من المتفوقات، وكان أهلي فخورين بي جدًا.
تابعت قائلة:
— كنت سعيدة جدًا في عملي. كنت أذهب كل يوم وأنا أشعر أنني أتقدم خطوة جديدة، وأنتقل من نجاح إلى نجاح. سرعان ما لفتُّ الأنظار بين زميلاتي، وبدأ اسمي يأخذ مكانه في الوسط الإعلامي، وأصبح لي قرّاء يتابعون ما أكتب، ومعجبون بقلمي وشخصيتي التي كانت تتكشف لهم من خلال كلماتي.
ثم جاء ذلك اليوم الذي التقيته فيه.
كان أحد قرّائي. دفعه الفضول إلى أن يرى صاحبة القلم التي طالما أثارت انتباهه، وحين رأيته للمرة الأولى، شعرت بشيء غريب يشدني إليه، إحساس لم أفهمه وقتها، ولم أكن أملك له تفسيرًا.
في المرة الأولى، تظاهر بأنه مراجع جاء لإنجاز أمر ما، ثم عاد في المرة الثانية، وكان أكثر وضوحًا، فصارحني بأنه معجب بي، بقلمي، وكتاباتي، وحتى بشخصيتي التي كان يراها منعكسة بين سطور ما أكتب.
كان حديثه مختلفًا، وطريقته في النظر إليّ مختلفة، واستطاع، دون أن أشعر، أن يأخذني إلى مساحة لم أعرفها من قبل... مساحة جعلتني أعيش لحظة بدت لي آنذاك أقرب إلى الخيال منها إلى الواقع.
لكنني، رغم ذلك، لم أكن سهلة الانقياد خلف المشاعر. كنت متحفظة جدًا.
قلت له بوضوح:
— لديّ والدان، وهذا عنوانهما... إن كنت تبحث عن الطريق إليّ.
كنت أقولها وأنا أتوقع في داخلي أنه لن يعود، ظننته ربما يبحث عن تسلية عابرة، وأن حديث الإعجاب لن يتجاوز حدود اللحظة.
لكنه عاد.
ولم يعد وحده.
أرسل أهله إلى بيتنا.
حينها أثار إعجابي أكثر مما فعلت كلماته الأولى، شعرت أن الرجل الذي أمامي جاد، وأن ما قاله لم يكن مجرد إعجاب عابر أو نزوة مؤقتة، بل كان يريد أن يسلك الطريق الصحيح نحوي.
وهكذا، في وقت بدا لي آنذاك أن كل شيء يسير كما تمنيت، تم عقد قراننا.
كانت تروي تلك السنوات الأولى دون تردد، وكأنها تستعيد حياة لم يكن فيها ما يدعو إلى الخوف.
ثم توقفت لحظة.
بينما كنت أنا أصغي لها وهي تروي لي تفاصيل حالها في الماضي، كنت أتأمل حالها اليوم.
لقد كانت صورة مختلفة تمامًا عن المرأة التي تجلس أمامي الآن.
خلف الشحوب والإنهاك اللذين رأيتهما عند دخولها، كانت هناك امرأة أخرى: ابنة أسرة مستقرة، متعلمة، ناجحة، واثقة من نفسها، اعتادت التفوق، وعاشت سنواتها الأولى وهي تشعر بأن العالم مفتوح أمامها.
وهذه الخلفية لم تكن تفصيلًا ثانويًا في الحالة.
فأم بسمة لم تدخل زواجها وهي تحمل تاريخًا من العجز أو الاتكال أو الشعور بالدونية. على العكس، كانت قد دخلت حياتها الزوجية وهي تحمل قدرًا معتبرًا من الاستقلال والثقة والكفاءة، قبل أن تبدأ سنوات الزواج في تغيير صورتها عن نفسها تدريجيًا.
وهنا توقفت عن الكتابة في ملاحظاتي.
فالسؤال لم يعد: ما الذي تعاني منه أم بسمة؟
بل أصبح أكثر تحديدًا:
ماذا حدث لهذه المرأة التي كانت تعرف نفسها بهذه الصورة، حتى أصبحت بعد سنوات تجلس أمامي بهذا الانكسار؟
كان ذلك السؤال هو الذي سيقود بقية الحالة.
وكان واضحًا أن الحكاية لم تبدأ بعد في إظهار وجهها الآخر.
ثم قالت:
— بعد عقد القران، سمح لنا والدي بأن نتحدث هاتفيًا، وأن نلتقي ونجلس معًا لنتعرف إلى بعضنا أكثر. وكانت تلك الأيام من أجمل أيام حياتي... أيامًا عشتها بكل ما فيها من فرح وحماس، وكنت أظن أنني أخيرًا وجدت الرجل الذي سأكمل معه بقية عمري.
ثم سكتت قليلًا، قبل أن تتابع:
— لكن بعد ذلك بدأت سلسلة من الطلبات...
كانت الطلبات في بدايتها تبدو بسيطة.
وربما لهذا السبب لم تلتفت إليها.
قال لي في البداية:
— لماذا لا تتركين عملك؟ أنا أغار عليك من المعجبين بك.
كنت أبتسم أحيانًا، وأعتبر غيرته دليلًا على حبه.
ثم بدأت الدائرة تضيق شيئًا فشيئًا.
— لماذا تكثرين من زيارة بنات خالك وبنات عمك؟ أنا أغار عليك حتى من شباب العائلة.
ثم:
— لماذا ترتدين البنطلون؟ إنه لا يناسب امرأة متزوجة.
مع أنني كنت أرتديه تحت عباءة مغلقة تمامًا، ولم يكن في الأمر ما يلفت النظر.
ثم تطورت الأمور أكثر:
— لماذا تتحدثين كثيرًا مع صديقاتك على الهاتف؟ أنا أغار منهن... أريدك لي وحدي.
وبدأ يضيق حتى من الكلام العادي داخل أسرتي:
— لا تتحدثي عن أخيك كثيرًا، فهذا يزعجني.
ثم أصبح لكل شيء تقريبًا قائمة من «لا».
لا تتسوقي...
لا تضحكي...
لا تفعلي كذا...
لا تذهبي إلى هناك...
كانت كل مرة تبدو منفردة، صغيرة، قابلة للتجاوز.
ولهذا كنت أتنازل.
ثم أتنازل مرة أخرى.
وكنت في كل مرة أجد تفسيرًا يريحني:
ربما هو يغار لأنه يحبني.
ربما يحتاج إلى بعض الوقت حتى يعتاد الحياة الزوجية.
ربما ستنتهي هذه الحساسية عندما يطمئن إليّ.
كنت أبحث دائمًا عن المعنى الأكثر لطفًا لتصرفاته.
ولم أكن أرى، وأنا أفعل ذلك، أن مساحة حياتي كانت تضيق شيئًا فشيئًا.
لم يكن هناك يوم واحد استيقظت فيه فوجدت نفسي امرأة مختلفة.
لم يحدث الأمر بهذه الطريقة.
كان التغير أكثر هدوءًا من ذلك.
أطرقت تفكر، عيونها على طرف المنضدة، بينما عقلها سارح في الماضي، ثم قالت وكأنها تذكرت أو اكتشفت امرآ آخر : كان لدي أيضًا هواية أحبها كثيرًا... تصميم الأزياء. كنت أصمم فساتين السهرات، وأرسل تصميماتي إلى دار أزياء تملكها شقيقتي الكبرى، وهي سيدة أعمال معروفة في مجالها، وكانت تدفع لي في البداية مبلغًا جيدًا عن كل تصميم.
ثم ابتسمت ابتسامة خفيفة وأضافت:
— ومع الوقت بدأت تصاميمي تنتشر، وازداد الطلب عليها، وأصبح اسمي معروفًا في هذا المجال، حتى صرت أتعامل مع خمس دور أزياء مختلفة، وكانت لديّ، ولله الحمد، مدخرات جيدة، كنت قد بنيت لنفسي قدرًا من الاستقلال والاستقرار، وكنت أشعر أنني أملك شيئًا خاصًا بي، شيئًا صنعته بجهدي وتعب السنوات.
سكتت قليلًا، ثم تابعت:
— لكن بعد عقد القران، لم أستطع الاستمرار في تصميم الأزياء، أولًا لأن الوقت لم يعد يسمح لي بذلك، وثانيًا... لأنني لم أعد أملك المزاج نفسه ولا الرغبة التي كانت تدفعني إلى الإبداع.
من أجله أغضبت أبي وأمي. تركت وظيفتي رغم رفضهما الشديد، ورغم نصائحهما التي كنت أعرف في أعماقي أنها صادقة، كنت أقول لنفسي إن إرضاء الزوج أهم، وإن المرأة حين تتزوج يجب أن تفعل كل ما تستطيع حتى تحافظ على بيتها.
ولأجله أيضًا تخليت عن صديقاتي الحبيبات. ابتعدت عنهن، وقطعت كثيرًا من صلاتي بهن، حتى بدا لي بعد فترة أن حياتي لم تعد تتسع إلا لشخص واحد فقط ... إنه : هو.
ومن أجل أن أرى ابتسامة الرضا على وجهه، بدأت أغيّر حتى مظهري، ارتديت الملابس الواسعة، وتنازلت عن أشياء كنت أحبها، ولم أكن أفعل ذلك خوفًا منه، كنت أفعله لأنني أحببته وأردت أن أرضيه.
تنازل هنا، وتنازل هناك، ومرة أختار فيها راحته على راحتي، ومرة أتجنب شيئًا حتى لا يغضب، ومرة أبتعد عن شخص أحبه حتى لا يشعر بالغيرة.
ومع الوقت، بدأت الأشياء التي كانت جزءًا طبيعيًا من حياتي تصبح أشياء أحتاج إلى التفكير قبل القيام بها.
ثم قالت، بعد صمت قصير:
— كنت أقدم كل ما أستطيع، وأفعل كل ما يطلبه مني، وأنا أظن أنني بذلك سأجعله يحبني، ويدرك كم أنا حريصة على إرضائه، فيرضى هو عني في المقابل، ويزداد عشقًا لي لكل ما قدمته من تنازلات وتضحيات. لكن ما حدث كان العكس تمامًا؛ فكلما قدمت وفعلت من أجله، شعرت به يبتعد عني أكثر، حتى أصبح أحيانًا يعلن صراحةً شعوره بالضيق مني ومن علاقتنا.
نظرت إليّ تلك النظرة المستفسرة، المستجدية لتفسير، وفي عينيها مسحة من الدموع، ثم هزّت رأسها بعجز عن الفهم وقالت:
— لا أفهم ما الخطأ! لقد فعلت كل ما نصحوني به، وكل ما قالوا لي إنه السلوك الأفضل حتى يقع زوجك في حبك مدى الحياة... ومع ذلك، زوجي لا يحبني منذ مدة طويلة، ونحن لا نزال في بداية حياتنا.
تحليل مبدئي الحالة:
لم تكن أم بسمة في بداية زواجها ترى تنازلاتها بوصفها خسائر، بل كانت تراها استثمارات في الحب والزواج، كانت تؤمن أن ما تقدمه اليوم سيعود إليها في صورة حب واهتمام ورضا واستقرار، ولهذا لم تكن المشكلة، في وعيها آنذاك، أنها تتنازل، بل أن تنازلاتها لم تنتج النتيجة التي وعدتها بها تصوراتها عن الزواج.
ومع مرور الوقت، اتسعت الفجوة بين ما تقدمه وما تحصل عليه، وكلما ازداد شعورها بأن العلاقة لا تتحسن، ازداد بحثها عن الخطأ في نفسها، وازداد استعدادها لتقديم المزيد.
وهنا بدأت الحلقة المغلقة: طلب جديد، تنازل جديد، انتظار للحب، ثم خيبة جديدة.
وما جعل الأمر أكثر تعقيدًا أن الأشياء التي كانت تتخلى عنها لم تكن هامشية في حياتها، فقد كانت تمثل مصادر متعددة لهويتها واستقلالها وشعورها بالكفاءة والانتماء، لذلك لم تكن تخسر وظيفة أو صديقة أو هواية كلٌّ على حدة، بل كانت حياتها تضيق تدريجيًا بينما كانت تظن أنها توسع مساحة زواجها.
ومع ذلك، لم تكن قد وصلت بعد إلى هذا الفهم. كانت لا تزال تقف أمام السؤال الأول نفسه: "لقد فعلت كل ما ينبغي أن أفعله... فلماذا لا يحبني؟"
والحقيقة، أن حالة زوج أم بسمة ليست حالة نادرة، وإنما شائعة في العديد من المجتمعات، حيث يحب الزوج في البداية شخصية زوجته التي هي عليها قبل الزواج، لكن حينما تصبح زوجته فإنه يريدها في صورة الزوجة التقليدية التي يعرفها ونشأ عليها.
وبعض هذا النوع من الرجال يفصل فعليا بين ( الحبيبة، والزوجة ) ويعتقد أن من تصلح لتكون حبيبة يعجب بها ويعيش معها الرومانسية، لا تصلح مطلقا لأن تكون زوجة تهتم بالأسرة،
أم بسمة لم تخطئ حين حاولت أن ترضي زوجها، كانت تفعل ما تعتقد أنه الصواب، وتتبع نصائح نساء سبقنها إلى الزواج، وحدثنها عن التضحيات التي قدمنها لأزواجهن، وكيف ساعدتهن تلك التنازلات على الحصول على الحب والاستقرار.
لكن المشكلة أن العلاقات الزوجية لا تسير بهذه القاعدة دائما،
ما ينجح مع رجل قد يفشل تمامًا مع رجل آخر، وما يجعل زوجًا أكثر حبًا وارتباطًا بزوجته، قد يجعل زوجًا آخر أكثر طلبًا وسيطرة أو أكثر ابتعادًا.
وكما يقول المثل الشائع: أصابع اليد الواحدة لا تتشابه.
لذلك لا يمكن أن نأخذ تجربة امرأة نجحت معها طريقة معينة، ونفترض أنها ستنجح بالضرورة مع كل النساء وكل الرجال.
فالعلاقات ليست وصفة واحدة، والزوج ليس نسخة من زوج آخر.
وفي حالة أم بسمة، كانت النصائح التي سمعتها من نساء أخريات قد نجحت في تجاربهن، لكنها حين طبقتها على زوجها لم تقرّبها منه كما توقعت، بل أخذت العلاقة إلى نتيجة مختلفة تمامًا.
وهذا ما جعل أم بسمة تصل إلى حالة من الضياع والإحباط والشعور بالفشل، من دون أن تعرف أين تكمن المشكلة.
فهي لم تكن مهملة لزوجها، ولم تكن ترفض طلباته، ولم تكن تتعمد إغضابه. على العكس، فعلت كل ما تعرفه، واتبعت كل ما نُصحت به، وقدمت كل ما كانت تظن أنه يمكن أن يجعل زوجها أكثر حبًا ورضًا عنها.
لكن شيئًا من ذلك لم ينجح.
لم يعالج مشكلتها معه، ولم يقربه منها، بل لم يجعلها تشعر حتى بأنها حاضرة في حياته.
وهنا كان سؤال أم بسمة الحقيقي:
إذا كنت قد فعلت كل ما أعرفه لإرضائه... فلماذا لم يشعر بي؟
وهنا سألتها:
— تقولين إن الطلبات بدأت بعد عقد القران مباشرة، أي قبل الزواج... هل لك أن تخبريني كيف كان يطلب منك تلك التنازلات؟ بلطف؟ بإقناع؟ أم بأمر؟
باغتها السؤال قليلًا، ثم قالت:
— في الحقيقة... كل مرة كانت بطريقة.
وسكتت لحظة، ثم تابعت:
— في البداية كان مغرمًا بي. كل شيء في شخصيتي كان يعجبه، شعرت أنني أعيش معه قصة حب رومانسية حقيقية، أحاديث هاتفية طويلة، بل كنا ننام والهاتف بيننا، ولم يكن يغلق الخط أبدًا، وكلما وجد فرصة جاء لرؤيتي.
ورغم أن أبي كان يطلب منه أن يقلل زياراته، ويحرجه أحيانًا، لم يكن ذلك يهمه، كان يأتي حين يغيب أبي عن البيت، وكانت لهفته عليّ واضحة.
جعلني أمتلك شعورًا لم أمتلكه في حياتي كلها.
كنت أعرف أنني مميزة، لكن معه شعرت أنني أميرة... وأكثر النساء حظًا وسعادة في هذا العالم.
ثم تغيرت ملامحها، وقالت:
— أممم... لا أعرف. شيء ما تغير فجأة، ودون سابق إنذار، حينما أصر أبي على تقديم موعد الزفاف. كانت خطوبتنا قد استمرت ستة أشهر منذ عقد القران، وبمجرد أن قرر والدي تقديم موعد الزفاف، تغير فجأة.
ثم قالت بحيرة واضحة:
— أصبح كل شيء في شخصيتي لا يعجبه!
سألتها:
— هل تغير فجأة فعلًا، أم أنك تعتقدين فقط أنه تغير؟
ردت بسرعة:
— أنا متأكدة.
ثم أضافت:
— لأنني في تلك الفترة كنت أخبر شقيقتي بأنه تغير فجأة. أصبحت زياراته لي واتصالاته بي أقل بكثير، حتى إنني لمست الفتور في صوته ونظراته، وبدأت أشك في أنني ربما فعلت شيئًا أغضبه.
وأصبحت أسأله باستمرار:
— هل هناك شيء يضايقك مني؟ هل فعلت شيئًا دون قصد؟
ومن هنا بدأت تلك الطلبات.
قلت لها:
— أعطني مثالًا من فضلك.
قالت:
— نعم، سأعطيك العديد منها. أذكر تمامًا حين طلب مني لأول مرة أن أترك وظيفتي.
اتصل بي بينما كنت في مقر عملي، وطلب مني أن أنزل إليه، وجدته في السيارة، وكان في حالة من الغضب.
قال لي:
— هل أنا سفيه؟! هل ترينني سفيهًا؟
قلت له:
— ما هذا الكلام؟ لماذا تقول هذا؟
قال:
— لأنك لو تعتبرينني رجلًا حقيقيًا في حياتك، ما جلستِ بين أولئك الرجال!
قلت له:
— أي رجال؟
قال:
— زملاء العمل. أليسوا رجالًا؟
وبدأ ينهال عليّ بالاتهامات؛ بأنني لا أقدر مشاعره، ولا أحترم رجولته، وأنه كما زارني في عملي وعثر عليّ، سيزورني رجال آخرون ويعثرون عليّ... وأشياء كثيرة أخرى.
سألتها:
— وكيف شعرتِ حينها؟
قالت:
— كنت خائفة للغاية. لم يسبق لي أن رأيته في هذه الحالة.
ثم سكتت لحظة وقالت:
— وفي الوقت نفسه، كنت في قمة حبي وعشقي له، سبق أن رأيت حبه وحنانه، ولذلك لم أطق منظره وهو في تلك الحالة، طلبت منه أن يهدأ، وبدأت أشرح له طبيعة عملي، وأخلاق زملائي، وكيف أنهم يعاملونني باحترام.
لكن كلما قلت كلمة، كان يشتاط غضبًا أكثر.
فصمتُّ.
ثم طلب مني أن أنزل من السيارة وأعود إلى عملي.
وبعد ذلك لم يتصل بي، ولم يتواصل معي بأي طريقة لمدة أسبوعين.
رغم أنني حاولت التواصل معه بكل الطرق، وأرسلت له عدة رسائل شفهية مع شقيقاته، لكنه كان عنيدًا.
حتى أخبرت شقيقته أخيرًا بأنني استقلت من عملي.
استقلت حتى قبل أن أستأذن أمي أو أبي.
وكان ذلك صدمة كبيرة لهما، حتى إن أبي ذهب إليه وتشاجر معه، لكن زوجي رفض التراجع عن موقفه.
أما أنا...
فكنت أموت من شدة الشوق إليه.
كنت مستعدة أن أفعل أي شيء من أجله.
كنت أريد أن أصبح زوجته بأي ثمن.
قلت:
— لابد أنها كانت صدمة كبيرة لعائلتك؟
قالت:
— نعم، لا يمكنني أن أصف لك وقعها عليهم. كانت ردود أفعالهم كارثية، وبشكل خاص والدي. شعر بأني قد غدرت به وخنته حينما تخليت عن وظيفتي.
سألتها:
— لماذا اخترت دراسة الإعلام؟
أجابت:
— أحب الإعلام منذ كنت صغيرة، والدي أيضًا يعمل في إحدى الصحف المحلية، وهو من جعلني أعشق هذا المجال، وبشكل خاص أنني أحب أن أكتب في التاريخ والتراث المحلي.
قلت:
— هذا تخصص جميل ونادر، ومن الطبيعي أن تشغله ابنة البلد، لأنها الأكثر دراية به وبتفاصيله، ماذا كانت طبيعة وظيفتك يا أم بسمة؟
ردت:
— كنت أكتب مقالات يومية متسلسلة عن التراث المحلي.
قلت:
— هذا رائع حقًا. أنا أيضًا أعمل في الإعلام.
نظرت إليّ وقالت:
— في الحقيقة، اكتشفت هذا مؤخرًا، وشعرت بالقلق، خشيت أن تكوني زميلة لي، لكنني ارتحت حين علمت أنك تعملين في مؤسسة مختلفة، أي بعيدًا عن المكان الذي أعمل فيه.
سألتها باستغراب:
— وما المقلق في أن نكون زميلتين؟ عملي في الإعلام شيء منفصل عن عملي في مكتبي هنا، ولكل وظيفة خصوصيتها.
ثم سألتني بفضول:
— ما طبيعة عملك الإعلامي؟
أجبتها:
— أكتب في الأمن المجتمعي.
قالت:
— أوه... الأمن المجتمعي! هذه الأمور جدية للغاية.
ثم سكتت قليلًا، وبدت متألمة، كأنني أثرت في داخلها شوقًا دفينًا، ثم قالت:
— في الحقيقة، أنا أشتاق إلى عملي في الإعلام بشكل لا يمكنني وصفه.
قلت:
— من الطبيعي أن تشعري بالشوق لوظيفة كانت تمنحك مكانة اجتماعية، وأمانًا ماليًا، وإنجازًا ذاتيًا.
قالت:
— فعلًا... فقط لو تعلمين كم أتحسر على تلك المرحلة من حياتي، لكنني في الوقت نفسه عاجزة عن فعل أي شيء.
قلت لها:
— لا بأس، دعينا نعود مرة أخرى إلى تسلسل الأحداث. أنتِ قلتِ إنه كان رومانسيًا معك طوال فترة الخطوبة، لكن ما إن أصر والدك على تحديد موعد قريب للزفاف حتى تغير تمامًا. هذا ما قلتِه.
أجابت:
— فعلًا. في البداية لم أربط الأمرين معًا. حتى إنني شككت في نفسي، كما أخبرتك، واعتقدت أنني ربما أغضبته دون قصد مني، وبدأت أسأله طوال الوقت عن سبب انزعاجه الدائم وفتور تواصله، لكنه في كل مرة كان يتهرب من الإجابة، أو يفتعل مشكلة جديدة.
سألتها:
— هل وصلك في تلك المرحلة شعور بأنه ربما يريد إنهاء الخطوبة أو عقد القران؟
قالت بسرعة، وكأني أشرت إلى الإجابة الصحيحة:
— تمامًا.
ثم تغيرت ملامحها، وأضافت:
— وهذا ما جعلني أغرق في نوبة من الذعر الشديد، لم يكن الأمر فقط لأنني كنت متعلقة به، كان هناك ما هو أسوأ، كنت خائفة من كلام الناس من العار الاجتماعي، من أن أُوصم بالمطلقة، وأنا أصلًا لم أتزوج بعد.
سكتت لحظة، ثم قالت:
— وبشكل خاص في محيطنا، كان من النادر أن تتعرض فتاة للطلاق وهي لا تزال في مرحلة الخطوبة، كنت مستعدة لأن أفعل أي شيء... إلا أن يتركني في تلك المرحلة، وبتلك الطريقة.
تابعت لها : وشعرت أنك المتعلقة التي تلاحقه، وهو الهارب، شعرتي أنك أنت من عليه أن يقدم التنازلات، بينما هو من يضع شروطه، هل شعرتي أيضا بالعجز.
أجابت وهي تضع يديها على وجهها وتنهار في البكاء: نعم، عشت أياما مؤلمة للغاية، وبشكل خاص حينما لم يكن يرد على اتصالاتي أبدا، ولم أكن أجد طريقة للوصول إليه، بينما أبي وأمي يسألونني عنه وعن سر اختفائه، ولا أجد إجابة، وضعني في موقف محرج، أمام الجميع، كان علي أن أفعل أي شيء لأنقذ ماء وجهي.
_وماهو تفسيرك لما فعله بك في هذه المرحلة؟
قالت:
— في البداية اعتقدت أنني ارتكبت خطأ ما، كما أخبرتك. لكنني لاحقًا بدأت أعتقد أنه ربما أنا فعلًا لا أرقى إلى مكانة الزوجة التي يحلم بها.
— هل لديك تفسير لتصرفه؟
قلت:
— إلى حد ما. حين سعى زوجك إلى التعرف إليك، لم يكن بالضرورة يسعى منذ البداية إلى الزواج منك. كان معجبًا بك، وربما كان يراقبك ويتابعك، لكنه لم يكن قد حسم في داخله ما الذي يريده منك فعلًا.
ثم تابعت:
— ربما كان يظن أن امرأة تعمل في الإعلام، وتظهر للناس وتكتب وتتمتع بهذه الشخصية، يمكن أن تكون أقرب إلى الدخول في علاقة عاطفية معه، لكنك حين واجهتِ إعجابه بوضوح، وقلتِ له إن الطريق إليك يمر من خلال أهلك والزواج، وجد نفسه أمام خيار واضح: إما أن يتقدم، أو ينسحب.
ظهر على وجهها الاستغراب، ومعه شيء من الاقتناع.
تابعت:
— ولهذا لا أعتقد أن تقدمه للزواج كان بالضرورة لأنه كان قد عرف منذ البداية أنه يريدك زوجة كما أنتِ. ربما كان يريدك أولًا كامرأة أحب أن يتقرب منها ويعيش معها قصة حب، ثم وجد نفسه أمام زواج حقيقي، فبدأت تظهر لديه الصورة التي يحملها في ذهنه عن الزوجة التي يريدها.
قالت:
— وإن كان يحبني، فما الذي كان يمنعه من الزواج مني؟
أجبتها:
— لأنه قد يكون من الرجال الذين يفصلون تمامًا بين المرأة التي يحبها ويرغب بها، والمرأة التي يراها زوجة صالحة. حين يختار الزوجة، يبحث عن امرأة تقليدية يستطيع أن يعيش معها وفق القالب الذي اعتاد عليه، ويفرض عليها نمط الحياة الذي يراه مناسبًا للزوجة.
ثم قلت:
— أما المرأة التي تثير فيه الحب والرومانسية والإعجاب، فقد يراها في صورة مختلفة تمامًا، يريدها للحب، لكنه لا يتخيلها بالضرورة زوجة. وهذه إحدى المشكلات التي تجعل بعض الرجال، بعد الزواج، يحاولون تغيير المرأة التي أحبوها حتى تصبح المرأة التي يتصورون أنها تصلح لدور الزوجة.
أطرقت أم بسمة تفكر، وبقيت صامتة للحظات، ثم رفعت رأسها وقالت:
— تمامًا... هذا يفسر كل سلوكياته، وكل ما فعله بعد ذلك.
ثم سكتت قليلًا، وكأنها كانت تعيد ترتيب سنوات كاملة من حياتها في ضوء تفسير جديد.
قالت:
— فعلًا... هذا ما فعله بي. جعلني أنا أم العيال، التي تهتم بتربية الأبناء، وكأني بلا أحاسيس ولا مشاعر ولا احتياجات عاطفية.
ثم سكتت لحظة، وقالت بنبرة أكثر حدة:
— وفي المقابل، أنا متأكدة من أنه يعيش علاقات عاطفية مع أخريات!
قلت لها:
— تابعي. أحتاج أن أسمع المزيد حتى أستطيع أن أقرأ شخصيته بصورة أدق، وأن أفهم أيضًا الأسباب التي جعلت علاقتكما تتدهور إلى هذا الحد.
تابعت حديثها:
— طبعًا تزوجنا، رغم كل شيء. لقد ضحيت بالكثير كما أخبرتك حتى يتم هذا الزواج، وبصراحة، لم أندم في البداية.
فقد عشت الأيام الأولى من زواجنا كما لو أنني وصلت أخيرًا إلى الحياة التي تمنيتها.
كان يدللني ويحيطني بعنايته، وكأنني جوهرة ثمينة يخشى أن يخدشها شيء. كان مغرمًا بي إلى حد كبير، يعاملني كأميرة أحلامه التي ظفر بها أخيرًا.
عشت معه في تلك الأيام أجمل ما عشت في حياتي.
كنت أشعر أنني دخلت الجنة وأنا لا أزال على وجه الأرض.
كان لا يحتمل ابتعادي عنه لحظة واحدة. إذا خرج، أخذني معه، حتى لو كان ذاهبًا في مشوار سريع أو قريب.
وكان يناديني بأسماء لم أسمع مثلها من قبل:
"روحي"...
«أنفاسي»...
«أوكسجين حياتي»...
كان يغمرني بكلام الحب إلى درجة جعلتني أصدق أنني لا أحتاج إلى إنسان آخر في هذه الدنيا سواه.
وشيئًا فشيئًا، بدأت أقتنع بذلك فعلًا.
قلّ تواصلي مع أمي وأبي، فما بالك بإخوتي وصديقاتي.
ولم أكن أقصد أن أتجنبهم أو أن أبتعد عنهم؛ بل كنت أعتقد أنني بذلك أقترب منه أكثر.
كنت أظن أن هذا هو الحب.
فقد كان زوجي في البداية زوجًا طيبًا ودودًا. كنا نخرج معًا كثيرًا، ونتحدث طويلًا، وكان يهتم بي ويحرص على أن أبقى إلى جواره. كنت أشعر أنني زوجة محظوظة، وأن الرجل الذي اخترته يحبني بالفعل.
لذلك أذعنت تمامًا لكل ما طلبه مني.
ولم يكن هذا كل شيء؛ بل كنت حريصة على أن أكون الزوجة المضحية، المتفانية، المعطاءة.
فمنذ زواجي، بدأت أمي تنصحني بأن أكون زوجة قنوعة، وألا أثقل على زوجي بكثرة الطلبات، وأن أراعي ظروفه وأقف إلى جواره في الشدائد، وألا أقارن بين حياتي المرفهة في بيت أبي وحياتي الأقل رفاهية في بيت زوجي.
كانت تقول لي إنه لا يزال في بداية الطريق، وإنني إذا صبرت وكافحت معه حتى ينجح ويجمع ثروة، فسأكون أنا وأبنائي أول من ينعم بهذا الرخاء.
أخذت بنصيحتها بكل إخلاص.
كان يعمل موظفًا، وبعد الزواج تراكمت عليه بعض الديون؛ فقد كان يرى أن تكاليف الزواج أثقلته كثيرًا.
وذات مرة، بينما كنا نتحدث عن ديونه، اقترحت عليه أن أساعده.
قلت له:
— اعتبرها دينًا مني إليك، إلى أن تتحسن ظروفك وتفرج.
لكنه رفض بشدة.
لم يكن رفضه مجرد عناد، كنت أشعر أنه يرى في قبول المال مساسًا بكرامته، وأنه لا يريد أن يعيش على مال زوجته أو يشعر بأنه عاجز عن تحمل مسؤولياته.
وبدا لي في ذلك الوقت صادقًا تمامًا في رفضه.
لكنني كنت أريد مساعدته، لم أستطع أن أراه غارقًا في الديون وأنا أملك مدخرات يمكن أن تخفف عنه.
ألححت عليه مرة، ثم مرة أخرى...
وكلما رفض، ازددت إصرارًا.
حتى استسلم في النهاية، وقبل أن يأخذ مني نصف مدخراتي.
كنت يومها أظن أنني أفعل شيئًا جميلًا من أجل الرجل الذي أحب.
ولم أكن أعرف أن المال الذي خرج من يدي يومها سيترك في حياتنا أثرًا أكبر بكثير مما كنت أتخيل.
ولم أكتفِ بمساعدته في سداد ديونه، بل وجدت نفسي، مع مرور الوقت، أسيرة صورة الزوجة المتفانية المضحية؛ تلك المرأة التي ترى في التنازل بطولة، وفي الحرمان فضيلة، وفي الوقوف إلى جوار زوجها في الشدائد دليلًا على صدق الحب والوفاء.
بعد ذلك الموقف، حرصت على ألا أطلب منه أي مصروف يخصني. كنت أنفق على نفسي وعلى طفلتي من مدخراتي الخاصة، التي كانت موضوعة في وديعة تدرّ عليّ مبلغًا مقبولًا كل شهر.
ومع الأيام، اعتدت الأمر إلى درجة أنني نسيت أصلًا أن أطلب منه شيئًا.
كنت أشتري ملابسي، وأدفع ثمن احتياجاتي الأساسية والكماليات من مالي الخاص. لكن مصروفي لم يكن يكفيني لأعيش بالمستوى نفسه الذي كانت تعيش به قريناتي في مجتمعنا، ومع ذلك، لم أكن أرى في الأمر مشكلة.
كنت أقول لنفسي:
«لا بأس... الأجر أحتسبه عند ربي، وما دام زوجي سعيدًا ومرتاحًا، فوالله إن ذلك يكفيني».
كنت أكرر هذه العبارة كلما حضرت حفل زفاف بفستان قديم، أو ذهبت لزيارة صديقة وأنا أرتدي عباءة أكل عليها الزمن وشرب.
كنت أبتسم وأتجاوز الأمر، وأقنع نفسي أن ما أفعله ليس حرمانًا، بل تضحية، وأنني كلما تنازلت عن شيء، ازدادت قيمتي في عين زوجي، وازداد حبه وتقديره لي.
وذات يوم، جاءني على غير عادته مترددًا وخجلًا. جلس أمامي لحظات، وكأنه يبحث عن مدخل مناسب لما يريد قوله، ثم قال:
— أنا مقبل على افتتاح مشروع تجاري في مجال الاستيراد والتوزيع، لكن المبلغ الذي أملكه لا يكفي، وفكرت أن نتشارك... أعني أن نضع مالك إلى جانب مالي ونبدأ المشروع معًا.
لم أتردد لحظة واحدة.
كان زوجي وحبيبي، وكنت يومها أرى في اقتراحه شيئًا جميلًا، لم يكتفِ بأن أكون شريكة حياته، بل أرادني أيضًا أن أكون شريكته في عمله وحلمه.
وافقت فورًا.
قمت بفك جميع الودائع التي أحتفظ بها، وبعت كل ما أملكه من ذهب ومجوهرات، وقدمت له المال، بل قدمت أكثر بكثير مما كان يحتاج إليه.
قلت له:
— المشروع بحاجة إلى دعم في العامين الأولين، أريدك أن تعمل عليه بذهن صافٍ وبالٍ مرتاح.
لم أسأله عن ضمانات، ولم أطلب عقدًا يثبت حقي، ولم أفكر حتى في الأمر من هذه الزاوية.
كان يكفيني أنني أثق به.
وضعت مدخراتي بين يديه، كما وضعت قلبي وحياتي من قبل؛ بثقة كاملة، وبلا حساب.
لكن البداية لم تكن سهلة.
كان المشروع يحتاج إلى وقت حتى يقف على قدميه، ومررنا بظروف مالية أقسى من ذي قبل، ظللنا قرابة عامين ننتظر أن يبدأ المشروع في تحقيق أي مردود حقيقي، وخلال تلك الفترة كنا ننفق عليه من راتب زوجي، ومن مساعدات والدي ووالده.
كانت هناك أيام لم نكن نجد فيها حتى ثمن علبة حليب للأطفال.
ومع ذلك، كنت أنظر إلى الوضع بعين القناعة.
كان زوجي معي، وهذا وحده كان يكفيني.
كنت أقول لنفسي:
«لا بأس... ستتحسن الأمور، وسينجح مشروعنا ذات يوم، وما دمنا معًا فكل شيء يهون.»
ومرت الأيام، وبدأ المشروع يعمل فعلًا. أخذ ينمو شيئًا فشيئًا، وتحسنت أحوال زوجي المادية بصورة واضحة.
ثم بدأ النجاح يظهر عليه في تفاصيل حياته.
صار يغيّر سيارته تقريبًا كل عام، وينفق بسخاء على نفسه، وبدأ مستوى معيشته يرتفع بصورة لافتة.
أما أنا، فحين كنت أطلب منه مصروفي أو بعض احتياجاتي، كان يجيبني:
— ما زلت أعاني من الديون... لا تغرك السيارة الجديدة، إنها واجهة أمام عملائي، ثم إنها بالأقساط.
وكانت تتبع ذلك مبررات كثيرة، وتفسيرات أكثر.
وكنت أصدقه.
أو ربما... كنت أريد أن أصدقه.
فأنا التي وضعت مدخراتي في مشروعه، وتحملت معه سنوات الضيق، لم أفكر يومها في أن أسأل:
أين ذهبت شراكتي؟
وماذا أصبح لي في هذا المشروع؟
كنت لا أزال أرى نفسي زوجة قبل أن أرى نفسي شريكة.
لكن بعد أن أنجبت طفلتي بسمة، وكانت الثالثة بعد حمد ومنصور، بدأت ألاحظ تغيرًا في مشاعر زوجي تجاهي،
لم يكن التغير مفاجئًا، لكنه كان واضحًا بما يكفي لأشعر به، وإن كنت في البداية قد حاولت ألا ألتفت إليه.
قلت لنفسي:
ربما يمر بضائقة مالية.
وربما ضغوط العمل أثقلت عليه.
لكن سرعان ما بدا لي هذا التفسير غير منطقي.
كيف يكون في ضائقة مالية، والأموال تتدفق عليه من كل جانب؟
ثم أدركت، بعد وقت، أن المشكلة لم تكن في المال أصلًا...
المشكلة باتت في مشاعر زوجي.
لقد تغيّر زوجي كثيرًا.
ذلك الزوج المخلص، والأب الحنون، لم يعد كما كان، اختفى اهتمامه بنا شيئًا فشيئًا، وحلّ مكانه توتر دائم وعصبية لا تنتهي.
أصبح سريع الغضب، كثير التذمر، لا يعجبه شيء تقريبًا، ينتقدني على كل صغيرة وكبيرة، على ما فعلته، وعلى ما لم أفعله، وعلى أشياء لم أكن أفهم أحيانًا كيف أصبحت مشكلة من الأساس.
وكان كل انتقاد منه يترك في داخلي أثرًا قاسيًا.
كنت أنهار نفسيًا، وأشعر بالإرهاق، حتى إنني في بعض الأحيان كنت أشعر باختناق حقيقي، وكأن الكلام الذي يوجهه إليّ يضغط على صدري.
حاولت أن أتحدث معه.
سألته أكثر من مرة:
— ماذا حدث لك؟ لماذا تغيرت؟ هل فعلت شيئًا أغضبك؟
كنت أريد أن أفهم، لا أن أتشاجر.
لكن كل محاولة للحوار كانت تنتهي بالطريقة نفسها، يتحول الحديث إلى شجار، مهما حاولت أن أهدئه، ومهما خفضت صوتي، ومهما انتقيت كلماتي.
وفي إحدى المرات، كنت قد ضقت بالبيت ، واشتقت إلى أن أخرج قليلًا، وأن أتنفس شيئًا من الحياة التي تلاشت من حولي.
قلت له:
— خذني في نزهة قصيرة.
رفض.
حاولت مرة أخرى، ثم جلست أرجوه، وقد فاض بي ما فاض:
— أرجوك... خذني قليلًا. أريد أن أغير جو، لقد مللت من البيت... مللت، أرجوك، خذني في نزهة.
نظر إليّ ببرود وقال:
— اذهبي إلى أهلك، فأنا مشغول ولست متفرغًا.
كانت جملة قصيرة... لكنها صدمتني،
لم تكن المشكلة في أنه رفض الخروج معي، بل المؤلم أنني كنت أطلب منه دقائق قليلة من وقته، بينما كنت أشعرني أني طلبت منه شيئًا من الصعب عليه أن يفعله من اجلي.
قلت له، وأنا أحاول أن أتمسك بما تبقى لي من أمل:
— لكنني أشتاق إليك... أفتقدك. أريد أن أخرج معك، فقد مضى وقت طويل منذ أن خرجنا معًا.
وما إن قلتها حتى رأيت على وجهه مزيجًا من الضيق والنفور، وانفجر صارخا:
— أيُّ نزهة أخرجها معكِ؟! ألا يكفي أنني «ملازم لوجهكِ في البيت»؟ حتى خارج البيت أجدكِ ورائي ورائي! لقد مللت... وضاق صدري! ما الجديد الذي لديكِ؟! لقد مللت منكِ... ألا تفهمين!
"ألا تفهمين... ألا تفهمين... ألا تفهمين..."
ظلت كلماته تتردد في صدري، كفأس ثقيل أخذ يحفر داخلي شقوقًا متتالية.
شعرت وكأنني أهوي إلى وادٍ سحيق، أصرخ بكل ما أوتيت من ألم، ولا أحد يسمعني.
قال كلماته، ثم خرج.
خرج وتركني وحدي...
لكنني لم أكن وحدي حقًا.
ترك في الغرفة امرأة لا أعرفها.
امرأة منكوبة، منبوذة، تشعر بأنها مكروهة، غريبة حتى عن نفسها؛ امرأة تبكي على صدرها، تتأوه، وتصرخ في صمت، ولا تعرف إلى أين تذهب بهذا الألم.
جلست وحدي أفكر:
ما الذي حدث قبل قليل؟ من هذا الرجل الذي صرخ في وجهي؟ هل من المعقول أن يكون هذا زوجي الذي أحببته كل هذه السنوات؟ أم أن روحا شريرة استولت عليه وحوّله إلى شخص آخر؟
شعرت أنني أغرق في بئر عميقة، لا أرى فيها بصيص أمل.
لم أفهم ما حدث.
رأيت وجهًا غريبًا لرجل كنت أعتقد أنني أعرفه جيدًا، سمعت كلمات لم أتخيل يومًا أن أسمعها منه. عشت طوال حياتي امرأة محترمة من الجميع، ومن نفسي قبل كل شيء. وأكثر شخص كنت أعتقد أنه سيعاملني باحترام ما حييت كان زوجي.
لكنه سحق كرامتي قبل قليل، دون أن يرف له جفن.
مزق قلبًا كان يحبه بكل ما فيه، وكأن الأمر لا يعنيه.
ولم أعد أعرف من هذا الرجل، ومن يكون.
والأسوأ من ذلك...
أنني أنا نفسي لم أعد أعرف من أنا، ومن أكون.
اتصلت بأمي. كنت بحاجة إلى صوتها، إلى حضنها، حتى لو جاءني عبر الهاتف.
بكيت في البداية بحرقة، بكيت بلا توقف، كنت تائهة بشدة، بحاجة إلى حضنها الدافئ، شكوت لها ما آلت إليه حياتي، وحكيت لها ما حدث بيني وبين زوجي.
قالت لي:
— استحملي يا ابنتي... كل رجل يمر بمرحلة وتعدي، كوني أنتِ الأفضل، وقومي بواجبك نحوه، ولا تقصري في حقه.
أغلقت الهاتف وأنا أشعر بمنتهى العجز.
كنت أتساءل في داخلي: كيف يمكنني أن أتجاوز ما حدث بهذه السهولة؟ كيف أنسى جرحًا لم يلتئم بعد، وإهانة ما زالت كلماتها ترن في أذني؟
ومع ذلك، فعلت ما اعتدت أن أفعله مؤخرًا...
الصمت.
لم أعد أتحدث معه، وحرصت على ألا أكون في الغرفة التي يوجد فيها، كنت أبتعد عنه بهدوء، من دون مواجهة أو عتاب أو شكوى.
كان كل ما أتمناه أن يشعر بخطئه.
كنت أنتظر اعتذاره.
قلت لنفسي: سيعتذر يومًا ما... ربما غدًا، ربما بعد أسبوع، وربما بعد شهر.
لكن الأيام مضت.
يوم... ثم أسبوع... ثم شهر.
ثم شهر آخر.
ومرت ثلاثة أشهر كاملة دون أن ينطق معي بكلمة واحدة.
وفي تلك الفترة، اتصل بي أخي.
قال لي إن الأسهم التي كنت قد اشتريتها قبل زواجي، بالشراكة معه، ارتفع سعرها، وأصبح بيعها مغريًا، ثم سألني، بكل ما اعتدته منه من حب واحترام:
— ما رأيك أن نبيع؟
قلت له:
— كما ترى.
وهكذا باع الأسهم، وكان المبلغ جيدًا، وكانت حصتي نصفه.
جاءني أخي إلى البيت في ذلك اليوم، وكان زوجي خارج المنزل. أعطاني مالي، ثم قال لي جملة بقيت في ذاكرتي إلى اليوم:
— احفظي مالك جيدًا... فلا أحد يستحقه غيرك.
لم أفهم يومها لماذا علقت هذه الجملة في ذهني بهذا الشكل.
أخذت المال، ووضعته على طاولة قرب السرير.
وفي المساء، عاد زوجي إلى البيت لبعض الوقت، كان يريد أن يبدل ملابسه ثم يخرج ليكمل سهرته.
دخل، فرأى رزمة المال.
توقف.
وللمرة الأولى منذ ثلاثة أشهر، وجّه إليّ الكلام:
— ما هذا المال؟ ومن أين أتيتِ به؟
أخبرته بالحقيقة.
سألني:
— وهل لديك أسهم أخرى؟
أجبته:
— لا.
ولم أقل له الحقيقة كاملة.
ففي الواقع، كان لديّ الكثير من الأسهم، وكانت جميعها مسجلة باسم أخي. كنت قد اشتريتها خلال سنوات عملي، إضافة إلى متجر كنت أملكه بالشراكة مع أخي الأصغر. وكان والدي قد نصحني منذ البداية ألا أفصح لزوجي عن هذه الأمور.
لم يناقشني طويلًا.
ترك المال جانبًا، ثم دخل غرفة النوم وبدّل ملابسه، وأخذ بيجامته، وعاد إليّ.
جلس إلى جواري على الأريكة.
ثم، وكأن ثلاثة أشهر بلياليها لم تمر، وكأنه لم يهجرني خلالها ولم يتجاهلني، مد ذراعيه وطوقني بمنتهى الشوق واللهفة.
واستسلمت له أنا أيضًا... هكذا، ببساطة.
وكأن شيئًا لم يحدث.
ثلاثة أشهر من الصمت والإهانة والوجع...
تناسيتها أنا فجأة... من أجل حضن.
حضن قد لا يكون صادقًا...!!!
في صباح اليوم التالي، قلت له:
— أريد أن أذهب إلى البنك لأودع المبلغ.
فقال فورًا:
— أنا أودعه عنك.
أجبته:
— لا يمكنك، أريد تحويله إلى وديعة، وهذا يتطلب وجودي شخصيًا.
قال بكل بساطة:
— إذن غدًا آخذك.
لكن الغد جاء، ولم نذهب.
ثم جاء اليوم الذي يليه، ثم الذي بعده... وفي كل مرة كان يؤجل الأمر بحجة أو سبب مختلف، حتى مرّ شهر كامل.
والغريب أنه طوال ذلك الشهر كان يعاملني بأفضل معاملة.
كان يحيطني بالاهتمام، ويغدق عليّ أجمل العبارات، ويأخذني للخروج، بل اشترى لي ملابس جديدة... لأول مرة منذ فترة طويلة.
كنت أراقب هذا التحول ولا أفهمه.
هل عاد زوجي الذي أعرفه؟
هل انتهت تلك القسوة؟
أم أن هناك شيئًا آخر لا أعرفه؟
ثم جاءني ذات يوم على غير عادته، متجهم الوجه، مثقل الخطوات، وتمدد على فراشه وأخذ يتأوه.
سألته:
— ما بك؟
قال:
— لا شيء.
لكنني كنت أعرفه، فقلت:
— بل أنت منزعج وحزين... ماذا حدث؟
تنهد طويلًا، ثم قال:
— لقد ارتكبت غلطة كبيرة جدًا، غامرت في صفقة سيارات، وأنا لا أملك رأس المال الكافي، ثم اكتشفت أن السيارات لا تصلح للبيع، أنا الآن متورط... وقد أصل إلى السجن.
في تلك اللحظة، شعرت بشيء بارد ينساب في داخلي.
لم يكن خوفي على المال.
فالمال، رغم كل ما حدث، كان آخر ما يشغلني.
الذي شعرت به كان شيئًا آخر...
وحشة الاستنزاف.
للمرة الأولى، مرّ في ذهني السؤال الذي كنت أهرب منه منذ سنوات:
هل يستغلني؟
.
.
أين بقية الرواية؟
ما نُشر هنا ليس الرواية كاملة، وإنما جزء من العمل فقط. أما بقية فصول وأحداث رواية «أم بسمة» فلم تُنشر بعد، وستصدر تباعًا ضمن النسخة المعتمدة والكاملة من الرواية.
وقد أتيح هذا الجزء للقارئ للتعريف بالعمل وشخصياته وأجوائه، دون أن يمثل ذلك إتاحة للرواية كاملة أو إذنًا بنسخ أجزائها أو إعادة نشرها أو تداولها.
ما نُشر هنا جزء من رواية «أم بسمة» فقط، ولا يمثل الرواية كاملة.
بقية الفصول والأحداث والتفاصيل غير منشورة في أي مكان آخر، فلا تبحثون عنها، سأقوم بنشرها في بداية عام 2027، على موقعي الرسمي وهو تحت الآنشاء حاليا، ويمكنكم في ذلك الوقت قراءة الرواية كاملة عند إتاحتها رسميًا على موقعي الجديد.
للحصول على الرواية كاملة، تابعوني على مواقع التواصل الاجتماعي، ليصلكم الإعلان عن افتتاح الموقع، وليتسنى لكم التسجيل والدخول للوصول إلى النسخة الكاملة عندما أنشرها.
أما النسخ التي يتم تداولها خارج قنواتي الرسمية، فهي نسخ تم تشويه أحداثها ولا تمثل الإصدار الرسمي للرواية. وسيتم التعامل مع هذه التجاوزات واتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة بحق مرتكبيها، بما في ذلك من ينشرون أجزاءً مقتطعة أو غير منشورة من المصنف، وفقًا للقوانين والأنظمة المعمول بها. وسيتم التعامل معهم قانونيا، ويشمل ذلك أي شخص أو حساب أو موقع يقوم بنشر أجزاء من الرواية أو إعادة تداولها أو إتاحتها للغير.
⚠️ تنبيه قانوني وحقوق الملكية الفكرية
هذه الرواية مصنف فكري وأدبي محمي بموجب قوانين حماية حقوق المؤلف والملكية الفكرية. جميع الحقوق المتعلقة بالنص محفوظة للمؤلفة، ويشمل ذلك محتوى الرواية، وشخصياتها، وأحداثها، وحواراتها، وأسلوبها، وبنيتها السردية، وأي محتوى أصيل وارد فيها.
يُمنع منعًا باتًا نسخ الرواية أو أي جزء منها، أو إعادة نشرها، أو توزيعها، أو تصويرها، أو تسجيلها، أو تحميلها، أو تخزينها على أي منصة، أو مشاركتها عبر المواقع والمنتديات ووسائل التواصل الاجتماعي، أو إرسالها للغير، أو اقتباس أجزاء منها بقصد إعادة إنتاجها أو تداولها، أو تحويلها إلى محتوى صوتي أو مرئي أو رقمي، أو ترجمتها أو إعادة صياغتها أو استغلالها تجاريًا، دون الحصول على إذن كتابي مسبق وصريح من صاحبة الحقوق.
كما يُمنع استخدام محتوى الرواية أو شخصياتها أو أحداثها أو حواراتها أو أفكار معالجتها وبنيتها السردية في إنتاج عمل آخر أو محتوى مشتق أو مادة تدريبية أو إعلامية دون تصريح.
ويُعد أي استخدام أو نشر أو تداول غير مصرح به تعديًا على حقوق المؤلفة، ويحق لصاحبة الحقوق اتخاذ جميع الإجراءات القانونية المتاحة للمطالبة بوقف التعدي وحفظ حقوقها والمطالبة بالتعويض عن الأضرار الناتجة عنه، وفقًا للقوانين والأنظمة المعمول بها.
وجود الرواية في صورة إلكترونية أو رقمية لا يمنح أي شخص حق نسخها أو تداولها أو إعادة نشرها. كما أن شراء أو الحصول على نسخة من الرواية لا يعني انتقال حقوق التأليف أو النشر أو الاستغلال إلى المشتري.
جميع الحقوق محفوظة © ناعمة — 2026
كما أن وجود أي نسخة من الرواية، كاملة أو مجزأة، على أي موقع إلكتروني أو منصة أو حساب من حسابات التواصل الاجتماعي، أو تداولها بين الأفراد، لا يمنح ناشرها أو متداولها أي حق في استخدامها أو إعادة نشرها أو الترويج لها. وسيتم رصد النسخ غير المصرح بها، والتعامل مع المواقع والحسابات والجهات التي تقوم بنشر الرواية أو تداولها أو إعادة إنتاجها أو إتاحتها للغير، واتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة بحقها، عاجلًا أو آجلًا، وفقًا للأنظمة والقوانين المعمول بها.
ولا يُعتد في مواجهة صاحبة الحقوق بأي ادعاء بأن النسخة كانت منشورة سابقًا، أو أن الناشر حصل عليها من طرف آخر، أو أن تداولها كان لأغراض شخصية أو غير تجارية؛ فوجود المصنف في أي مكان لا يسقط حقوق مؤلفته ولا يمنح الغير ترخيصًا باستخدامه.
جميع الحقوق محفوظة، وأي استخدام غير مصرح به سيُعامل بوصفه تعديًا على حقوق الملكية الفكرية، مع احتفاظ صاحبة الحقوق بكامل حقها في المطالبة بوقف التعدي والتعويض عن الأضرار واتخاذ ما يلزم من إجراءات نظامية وقانونية.
إعلان :
كما أعلن هنا أنا الأستاذة ناعمة عن فتح باب الاستشارات من جديد وذلك منذ يوليو 2026، للراغبات في التسجيل والاستفادة من خدمات الاستشارات اقرأ هذا هنـــا: كيفية طلب الاستشارة مع الأستاذة ناعمة
تعليقات
إرسال تعليق