ناعمة الهاشمي: كيف تبنين شخصية لا تهتز أمام آراء الآخرين؟
كيف تبنين شخصية لا تهتز أمام آراء الآخرين؟
الاستقلال النفسي وبناء المرجعية الداخلية
مقال مستوحى من دورة كوني ملكة للدكتورة ناعمة الهاشمي
من أكثر أشكال القوة هدوءًا أن تعرفي من أنتِ، ثم لا تسمحي لكل رأي عابر أن يعيد تعريفك.
هناك نساء يعشن وكأنهن في قاعة محكمة دائمة؛ كل كلمة منهن محسوبة، وكل قرار يحتاج إلى موافقة، وكل اختلاف يثير داخلهن القلق، وكل نقد يجعلهن يعيدن النظر في أنفسهن.
تقول إحداهن:
ماذا سيقولون؟
هل سيغضبون؟
هل سيظنون أنني أنانية؟
هل سيعتقدون أنني تغيرت؟
هل سيرفضونني؟
ثم تمضي سنوات طويلة وهي لا تعيش حياتها بقدر ما تدير انطباعات الآخرين عنها.
وهنا يصبح السؤال الحقيقي:
هل أنتِ صاحبة حياتك، أم أنكِ تعيشين وفق التوقعات التي وضعها الآخرون لكِ؟
المشكلة ليست في آراء الآخرين
ليس من النضج أن نقول إن آراء الناس لا تهمنا مطلقًا.
الإنسان كائن اجتماعي، ويتعلم من الآخرين، ويحتاج إلى المراجعة، ويستفيد من النقد والخبرة والمشورة.
لكن هناك فرقًا جوهريًا بين:
أن تسمعي رأي الآخرين، وأن تسلميهم حق تعريفك بنفسك.
يمكنك أن تستمعي إلى النقد دون أن تنهاري.
ويمكنك أن تستفيدي من النصيحة دون أن تفقدي قرارك.
ويمكنك أن تعترفي بأنك أخطأتِ دون أن تتحولي إلى إنسانة ترى نفسها فاشلة.
ويمكنك أن تختلفي مع شخص تحبينه دون أن تشعري بأن اختلافك خيانة للعلاقة.
هذه هي بداية الاستقلال النفسي.
المرجعية الداخلية
المرأة المستقلة نفسيًا لا تعني أنها لا تحتاج إلى أحد، ولا أنها ترفض النصيحة، ولا أنها تفعل ما تريد دون اعتبار للآخرين.
الاستقلال النفسي يعني أن يكون لديك مرجع داخلي تعودين إليه قبل اتخاذ قراراتك.
تسألين نفسك:
ما الذي أؤمن به؟
ما الذي يتوافق مع قيمي؟
ما الذي أريده فعلًا؟
هل هذا القرار نابع من قناعة أم من خوف؟
هل أفعله لأنني مقتنعة به، أم لأنني أخشى أن يرفضني الآخرون؟
هل أقول نعم لأنني أريد، أم لأنني أخاف أن أقول لا؟
حين يصبح لديك هذا المرجع، تستطيعين الاستماع إلى العالم دون أن تضيعي داخله.
لا تحولي قبول الآخرين إلى مقياس لقيمتك
من أكثر الأفخاخ النفسية إنهاكًا أن تربطي قيمتك بمدى قبول الآخرين لكِ.
إذا أحبك الجميع، شعرتِ أنك جيدة.
إذا انتقدك أحد، شككتِ في نفسك.
إذا أعجبوا بكِ، اطمأننتِ.
إذا رفضك شخص، بدأتِ في البحث عن العيب في ذاتك.
وهكذا تصبح صورتك عن نفسك متحركة باستمرار، لأن مصدرها خارجي.
لكن قيمة الإنسان لا ينبغي أن تتحدد وفق استطلاع آراء المحيطين به.
قد تكونين امرأة جيدة ويرفضك أحد.
وقد تكونين صادقة ولا يصدقك أحد.
وقد تتخذين قرارًا صحيحًا ولا يعجب الآخرين.
وقد تفشلين في موقف معين دون أن يعني ذلك أنك فاشلة كإنسانة.
الرأي ليس حقيقة، والرفض ليس حكمًا نهائيًا على قيمتك.
تعلمي أن تفصلي بين النقد والرفض
عندما ينتقدك شخص، لا تتعاملي مع النقد وكأنه اعتداء على شخصيتك.
توقفي أولًا.
اسألي:
هل هناك شيء صحيح في هذا الكلام؟
هل أستطيع أن أتعلم منه؟
هل الشخص يتحدث عن سلوك محدد، أم يصدر حكمًا شاملًا عليّ؟
إذا كان النقد صحيحًا، خذيه.
وإذا كان خاطئًا، اتركيه.
وإذا كان يحمل جزءًا من الحقيقة، خذي الجزء الذي يفيدك واتركي ما عداه.
هذه القدرة على الفرز من علامات النضج.
أما الشخصية الهشة فتتعامل مع النقد بطريقة ثنائية:
إما أن تصدق كل شيء يقال عنها، أو ترفض كل شيء.
بينما الشخصية الناضجة تستطيع أن تقول:
قد تكون محقًا في هذه النقطة، ولكنك مخطئ في أخرى.
لا تبرري نفسك طوال الوقت
هناك فرق بين التوضيح والتبرير المستمر.
التوضيح يكون عندما تكون هناك حاجة حقيقية إلى شرح موقفك.
أما أن تشعري بأن عليكِ تقديم ملف كامل من الأدلة كي يقتنع الآخرون بكل قرار تتخذينه، فهذه علامة على أنك منحتِ رأيهم سلطة أكبر مما ينبغي.
ليس مطلوبًا منك أن تقنعي الجميع.
وليس كل قرار في حياتك يحتاج إلى موافقة جماعية.
أحيانًا يكفي أن تعرفي أنتِ لماذا اخترتِ هذا الطريق.
لا تشرحي حياتك لمن لا يملك مسؤولية عيشها معك.
لا تخافي من أن يراك الآخرون مختلفة
كلما بدأتِ في بناء شخصيتك المستقلة، ستتغير بعض الأمور في حياتك.
قد تتوقفين عن قبول ما كنتِ تقبلينه.
وقد ترفضين ما كنتِ توافقين عليه.
وقد تعيدين ترتيب أولوياتك.
وقد تبدئين في الدراسة.
أو العمل.
أو ممارسة هواية.
أو وضع حدود جديدة.
وعندها قد يقول أحدهم:
لقد تغيرتِ.
وهنا لا ينبغي أن تخافي من الجملة.
فبعض التغيرات دليل على أنك تنضجين.
المشكلة ليست في أن تتغيري، وإنما في أن تتغيري بلا وعي أو أن تغيري نفسك فقط حتى تبقي مقبولة.
ليس كل تغير خيانة للنسخة القديمة منكِ؛ أحيانًا يكون التغير دليلًا على أنك أخيرًا أصبحتِ تعرفين نفسك.
تعلمي فن الاختلاف
من علامات الشخصية المستقلة قدرتها على الاختلاف دون عداء.
ليس عليك أن تحولي كل اختلاف إلى معركة.
يمكنك أن تقولي:
أحترم رأيك، لكنني أرى الأمر بطريقة مختلفة.
أفهم وجهة نظرك، لكن هذا القرار يناسبني.
أقدّر نصيحتك، وسأفكر فيها.
هذه العبارات تبدو بسيطة، لكنها تعكس تحولًا عميقًا في الشخصية:
أنا أسمعك، لكنني ما زلت أملك نفسي.
لا تخافي من خيبة أمل الآخرين
قد يكون هذا من أصعب دروس الاستقلال النفسي.
أن تتعلمي أن بعض الناس سيُصابون بخيبة أمل لأنك لم تفعلي ما يريدون.
وهذا لا يعني أنك أسأتِ إليهم.
قد يريد منك أحدهم أن تفعلي شيئًا لا يناسبك.
وقد يتوقع منك شخص أن تظلي كما عرفك دائمًا.
وقد يرغب آخر في أن تتخلي عن حدودك كي يشعر بالراحة.
لكن راحة الآخرين ليست مسؤوليتك المطلقة.
احترميهم، وراعي مشاعرهم، وكوني عادلة معهم، لكن لا تجعلي خوفك من خيبتهم سببًا في خيانتك لنفسك.
لا تخلطي بين القوة والعناد
الشخصية القوية ليست التي تقول «لا» للجميع.
وليست التي ترفض النصيحة.
وليست التي تصر على رأيها حتى بعد ظهور الأدلة التي تثبت خطأه.
القوة الحقيقية أكثر نضجًا من ذلك.
القوية تعرف متى تتمسك بموقفها، ومتى تراجعه.
تعرف متى تصر، ومتى تتنازل.
متى تتحدث، ومتى تصمت.
متى تقود، ومتى تستشير.
فالمرجعية الداخلية لا تعني الجمود، وإنما تعني أن يكون قرارك نابعًا من وعي، لا من ضغط.
ابنِي لنفسك معيارًا واضحًا
لكي لا تهتز شخصيتك أمام كل رأي، تحتاجين إلى معرفة معاييرك.
حددي ما الذي تعتبرينه مهمًا في حياتك.
ما قيمك؟
ما أولوياتك؟
ما الحدود التي لا تتجاوزينها؟
ما نوع العلاقات التي تريدينها؟
ما المرأة التي تريدين أن تكونيها؟
ما نوع الحياة التي ترغبين في بنائها؟
عندما تكون هذه الأمور واضحة، يصبح اتخاذ القرار أسهل.
لأنك لن تسألي كل مرة:
ماذا يريد الناس مني؟
بل ستسألين:
هل يتوافق هذا مع المرأة التي اخترت أن أكونها؟
وهذا هو الفرق بين الإنسان الذي يعيش برد الفعل، والإنسان الذي يعيش وفق مبدأ.
كوني قابلة للمراجعة لا قابلة للانكسار
أريد منك أن تكوني مرنة، ولكن لا تكوني هشة.
راجعي نفسك، ولكن لا تهدميها.
اسمعي النقد، ولكن لا تسمحي له بأن يسلبك ثقتك.
اعترفي بالخطأ، ولكن لا تحولي الخطأ إلى هوية.
تقبلي أن بعض الناس لن يفهموك.
وتقبلي أن بعض اختياراتك لن تعجب الجميع.
وتقبلي أن هناك من سيحكم عليك بصورة خاطئة.
هذه كلها حقائق طبيعية في الحياة.
ولستِ مطالبة بإدارة عقول الآخرين.
مسؤوليتك أن تديري نفسك.
اسألي نفسك قبل كل قرار
عندما تجدين نفسك أمام قرار تخافين فيه من رأي الآخرين، توقفي واسألي:
لو لم يكن هناك أحد سيحكم عليّ، ماذا كنت سأختار؟
ثم اسألي سؤالًا ثانيًا أكثر أهمية:
هل هذا الاختيار يتوافق مع قيمي ومسؤوليتي وواقعي؟
إذا كانت الإجابة نعم، فامضي.
وإذا كانت الإجابة لا، فراجعي قرارك.
بهذه الطريقة لا تصبحين أسيرة لا لرغبتك اللحظية ولا لضغط الآخرين.
بل تصبحين امرأة تفكر، وتوازن، ثم تختار.
في النهاية...
لا يمكنك أن تمنعي الناس من الكلام.
ولا يمكنك أن تتحكمي في صورتك داخل عقولهم.
سيحبك بعضهم.
وسيختلف معك بعضهم.
وسيسيء آخرون فهمك.
وسيمدحك آخرون.
وهذا كله خارج سيطرتك.
أما ما يقع داخل دائرتك فهو أهم:
كيف ترين نفسك؟
كيف تتعاملين مع أخطائك؟
كيف تتخذين قراراتك؟
ما القيم التي تحكم حياتك؟
ومن تسمحين له بالاقتراب منك؟
وما الذي تقبلينه وما الذي ترفضينه؟
هنا تبدأ قوتك.
فالشخصية القوية ليست امرأة لا تتأثر بأي شيء.
إنها امرأة تتأثر، وتفكر، وتراجع، ثم تعود إلى مركزها.
لا تعيش بلا آراء الآخرين، وإنما تعرف كيف تضع آراءهم في مكانها الصحيح.
تستمع، ولكنها لا تستسلم.
تحب، ولكنها لا تفقد نفسها.
تتغير، ولكنها لا تتخلى عن جوهرها.
تخطئ، ولكنها تتعلم.
وتُراجع نفسها، دون أن تسمح لأحد بأن يهدمها.
ابني مرجعيتك الداخلية، وستكتشفين أن كثيرًا من الضجيج الذي كان يهزك بالأمس لم يعد قادرًا على تحريكك اليوم.
وهنا تبدأ مرحلة مختلفة من حياتك:
أن تكوني امرأة لا تبحث عن قيمتها في عيون الآخرين، لأنها أصبحت تعرف قيمتها في داخلها.
تعليقات
إرسال تعليق