ناعمة الهاشمي: لا تكوني نسخة من أحد
لا تكوني نسخة من أحد
كيف تصنع المرأة هويتها الخاصة؟
مقال مقتطف من دورة كوني ملكة
في عالم يمتلئ بالصور والنماذج الجاهزة، أصبح من السهل جدًا أن تعرف المرأة كيف ينبغي أن تبدو، وكيف ينبغي أن تتحدث، وما الذي ينبغي أن ترتديه، وما الذي يجعلها ناجحة، وما الذي يجعلها مرغوبة.
لكن السؤال الأصعب يظل:
من أنتِ أنتِ؟
ليس كما يريدك الآخرون.
وليس كما تصنعك المقارنات.
وليس كما تفرض عليكِ الموضة أو البيئة أو العلاقات.
بل من أنتِ عندما تنظرين إلى نفسك بعيدًا عن كل هذه المؤثرات؟
إن بناء الهوية الشخصية من أهم مراحل النضج؛ لأن المرأة التي لا تعرف ذاتها جيدًا قد تقضي سنوات طويلة في تقليد نماذج لا تشبهها، ثم تكتشف بعد ذلك أنها حققت صورة ناجحة أمام الآخرين، لكنها لم تحقق الحياة التي تريدها لنفسها.
التقليد يبدأ أحيانًا من الإعجاب
ليس كل تقليد واضحًا.
قد ترين امرأة ناجحة، فتشعرين بالإعجاب بها، ثم تبدأين تدريجيًا في تقليد طريقة تفكيرها أو أسلوبها أو اختياراتها.
وقد ترين امرأة جميلة، فتبدئين في مقارنة مظهرك بمظهرها.
وقد ترين زوجة تبدو سعيدة، فتتساءلين لماذا لا تشبه حياتك حياتها.
وقد ترين امرأة ناجحة مهنيًا، فتشعرين أنك متأخرة عنها.
وهكذا تتحول المقارنة من وسيلة للتعلم إلى وسيلة لإلغاء الذات.
المشكلة ليست في أن تتعلمي من الآخرين.
بل في أن تتعلمي منهم إلى درجة أن تفقدي صوتك الخاص.
خذي من الآخرين الخبرة، لا الهوية.
استفيدي من تجاربهم، لكن لا تتنازلي عن حقك في أن تكون لك تجربتك الخاصة.
لا يوجد نموذج واحد للمرأة الناجحة
من الأخطاء الشائعة أن نضع تعريفًا واحدًا للمرأة الناجحة.
كأن النجاح يعني بالضرورة وظيفة معينة، أو دخلًا معينًا، أو شهرة، أو زواجًا، أو أمومة، أو مظهرًا محددًا.
لكن الإنسان أكثر تعقيدًا من ذلك.
قد تكون امرأة شديدة النجاح في مجال مهني، بينما تختار أخرى أن تجعل الأسرة محور حياتها.
وقد تجمع ثالثة بين العمل والأسرة.
وقد تكون الرابعة في مرحلة تعليم وبناء.
المعيار ليس أن تتطابق حياتك مع حياة امرأة أخرى.
المعيار أن تكون حياتك منسجمة مع قيمك وقدراتك وأهدافك ومسؤولياتك.
ولهذا لا تسألي دائمًا:
ماذا تفعل المرأة الناجحة؟
اسألي:
ما الذي يناسبني أنا؟
هويتك ليست مظهرك
المظهر جزء من شخصية المرأة، لكنه ليس هويتها كلها.
يمكنك أن تكوني أنيقة دون أن تجعلي الأناقة مصدر قيمتك.
ويمكنك أن تهتمي بجمالك دون أن يتحول الجمال إلى مشروع دائم لإثبات أنك تستحقين الإعجاب.
ويمكنك أن تطوري أسلوبك دون أن تبحثي عن نسخة من امرأة أخرى ترتدينها فوق جسدك.
اسألي نفسك:
ما الذي يعبر عني؟
ما الألوان التي أحبها؟
ما الأسلوب الذي يناسب شخصيتي؟
ما الصورة التي أشعر أنها تمثلني؟
حين تختارين مظهرك بهذه الطريقة، تصبح الأناقة لغة شخصية، لا وسيلة للتقليد.
لا تستعيري أحلام الآخرين
من أخطر أشكال فقدان الهوية أن تعيشي حلمًا لم تختاريه.
قد تختارين تخصصًا لأن أسرتك تريده.
وقد تدخلين وظيفة لأن المجتمع يعتبرها مرموقة.
وقد تتزوجين لأن الجميع يرى أن هذا هو الطريق الطبيعي.
وقد تلاحقين المال لأنك ترين الآخرين يتنافسون عليه.
وقد تبحثين عن الشهرة لأنك أصبحتِ تربطين النجاح بمدى معرفة الناس بك.
ثم بعد سنوات تسألين:
لماذا لا أشعر بالسعادة رغم أنني حققت كل ما كنت أظنه نجاحًا؟
ربما لأنك حققتِ أهدافًا لم تكن أهدافك أصلًا.
ولهذا تحتاج المرأة إلى أن تراجع مصادر رغباتها:
هل هذا ما أريده فعلًا، أم ما تعلمت أن أريده؟
اعرفي قيمك قبل أن تختاري طريقك
الهوية لا تُبنى من الرغبات وحدها.
بل من القيم.
القيم هي المبادئ التي تحدد لك ما الذي يستحق، وما الذي لا يستحق، وما الذي تستطيعين قبوله، وما الذي لا تستطيعين التنازل عنه.
اسألي نفسك:
ما أهم شيء في حياتي؟
هل أضع العلم في مقدمة أولوياتي؟
هل الاستقرار مهم بالنسبة إليّ؟
هل الحرية مهمة؟
هل الأسرة؟
هل الإنجاز؟
هل خدمة الآخرين؟
هل الاستقلال؟
هل الإبداع؟
لا توجد إجابة واحدة تصلح للجميع.
لكن وجود إجابة تخصك أنتِ هو المهم.
عندما تعرفين قيمك، يصبح اتخاذ كثير من القرارات أكثر وضوحًا.
لا تبني نفسك من ردود أفعال الآخرين
هناك امرأة لا تعرف ماذا تريد، لكنها تعرف جيدًا ما لا يعجب الآخرين فيها.
تغير أسلوبها لأن شخصًا انتقده.
تتخلى عن رأيها لأن أحدًا سخر منه.
تعدل أحلامها لأن الآخرين شككوا فيها.
وتغير شخصيتها باستمرار حتى تصبح مقبولة.
هذه ليست مرونة.
هذه هوية تتشكل تحت الضغط.
المرونة الصحية تعني أن تتعلمي وتراجعي نفسك.
أما أن تغيري جوهرك في كل مرة تواجهين فيها رأيًا مختلفًا، فذلك يعني أنك لم تمنحي نفسك فرصة لبناء مركز داخلي ثابت.
تجنبي المقارنة التي تسرق منك نفسك
المقارنة ليست دائمًا سيئة.
قد تساعدك على معرفة موقعك، أو اكتشاف مهارة تحتاجين إلى تطويرها، أو التعلم من تجربة ناجحة.
لكن المقارنة تصبح مؤذية عندما تتحول إلى محكمة دائمة.
تقولين:
هي أجمل مني.
هي أكثر نجاحًا.
هي أكثر ثراء.
هي أكثر حظًا.
هي أكثر حضورًا.
ثم تنسين أن المقارنة غالبًا لا تقارن حياتك الكاملة بحياة شخص آخر كاملة، وإنما تقارن واقعك الداخلي بصورة خارجية منتقاة من حياته.
كل إنسان له ظروفه، وقدراته، وتوقيته، ومساره.
لا تحولي حياة الآخرين إلى مقياس يومي للحكم على حياتك.
اكتشفي نقاط قوتك
لكي تصنعي هوية خاصة، عليك أن تعرفي ما الذي يميزك.
ما المهارات التي تجيدينها؟
ما الأشياء التي تتعلمينها بسرعة؟
ما نوع المشكلات التي تستطيعين حلها؟
ما الصفات التي يلاحظها الناس فيك؟
ما الأعمال التي تمنحك شعورًا بالإنجاز؟
ما الذي تستطيعين تقديمه ولا يستطيع الجميع تقديمه بالطريقة نفسها؟
قد تكون قوتك في التفكير.
أو التواصل.
أو التنظيم.
أو القيادة.
أو الإبداع.
أو التعلم.
أو الصبر.
أو القدرة على فهم الآخرين.
لا تستهيني بنقاط قوتك لأنها تبدو لك طبيعية.
أحيانًا يكون أكثر ما يميز الإنسان هو الشيء الذي يفعله بسهولة بينما يعجز عنه الآخرون.
واكتشفي نقاط ضعفك أيضًا
بناء الهوية لا يعني أن تصنعي صورة مثالية عن نفسك.
بل أن تعرفي نفسك بصدق.
اعترفي بنقاط ضعفك.
هل تترددين؟
هل تخافين من الرفض؟
هل تتأثرين بالنقد؟
هل تتنازلين بسرعة؟
هل تؤجلين؟
هل تفتقرين إلى التنظيم؟
هل تتعلقين بالآخرين؟
هذه المعرفة ليست إدانة.
إنها نقطة بداية.
فالمرأة التي تعرف ضعفها تستطيع أن تعمل عليه، بينما المرأة التي تنكره قد تظل أسيرة له سنوات.
اصنعي أسلوبك الخاص في الحياة
هناك طريقة خاصة بك في الحديث.
وفي التفكير.
وفي اختيار العلاقات.
وفي العمل.
وفي اللباس.
وفي إدارة الوقت.
وفي التعامل مع الأزمات.
وفي التعبير عن الحب.
وفي التعامل مع المال.
وفي تربية الأبناء.
لا تبحثي عن وصفة واحدة جاهزة لكل شيء.
تعلمي من الخبراء، واقرئي، واستشيري، ثم اجعلي المعرفة تمر عبر عقلك وتجربتك قبل أن تتحول إلى سلوك.
لا تكوني تلميذة دائمة في مدرسة الآخرين؛ كوني أيضًا صاحبة تجربة تتعلم وتختبر وتستنتج.
كوني قابلة للتطور دون أن تفقدي جوهرك
هناك من يعتقد أن امتلاك هوية ثابتة يعني ألا يتغير الإنسان.
وهذا غير صحيح.
الهوية الناضجة ليست جدارًا مغلقًا.
إنها بنية حية تنمو مع الخبرة.
قد تتغير أفكارك.
وقد تتغير أهدافك.
وقد تكتشفين أنك كنت مخطئة في بعض قناعاتك.
وقد تنضجين فتتغير أولوياتك.
وهذا طبيعي.
لكن هناك فرقًا بين أن تتغيري لأنك نضجتِ، وأن تتغيري لأنك خفتِ من رفض الآخرين.
الأول تطور.
والثاني فقدان للذات.
لا تخافي من أن تكوني مختلفة
قد تصلين إلى مرحلة تختارين فيها طريقًا لا يفهمه الجميع.
قد تتوقفين عن علاقة لا تناسبك.
قد تعودين إلى الدراسة في وقت يعتقد فيه الآخرون أن فرصتك انتهت.
قد تبدئين مشروعًا جديدًا.
قد تغيرين مهنتك.
قد ترفضين نمط حياة اعتدتِ عليه.
وقد يقول لك البعض:
أنتِ تغيرتِ.
ربما تكون هذه الجملة صحيحة.
لأنك فعلًا تغيرتِ.
لكن السؤال الأهم:
هل تغيرتِ إلى نسخة أفضل منكِ، أم إلى نسخة أكثر قبولًا لديهم؟
إذا كان التغيير نابعًا من الوعي والتجربة والنضج، فلا تخافي منه.
فالإنسان الذي لا يتغير أبدًا ليس بالضرورة ثابتًا؛ قد يكون فقط متوقفًا.
اصنعي تعريفك الخاص للنجاح
لا تسمحي للعالم بأن يعطيك تعريفًا جاهزًا للنجاح ثم يجبرك على مطاردته.
اكتبي تعريفك بنفسك.
ماذا يعني النجاح بالنسبة إليك؟
هل يعني أن تكوني مستقلة ماليًا؟
أن تحصلي على العلم؟
أن تنجحي في مهنتك؟
أن تبني أسرة متوازنة؟
أن تكون لديك مساحة خاصة للإبداع؟
أن تخدمي المجتمع؟
أن تعيشي حياة هادئة؟
ربما يكون النجاح بالنسبة إليك مزيجًا من كل ذلك.
المهم أن يكون اختيارك أنتِ.
لأن الإنسان قد يصل إلى قمة النجاح وفق مقاييس الآخرين، ثم يكتشف أنه يقف على قمة لا يريدها.
هويتك تُبنى بالفعل لا بالشعارات
لن تعرفي نفسك من خلال التفكير وحده.
جربي.
تعلمي.
اعملي.
اكتبي.
سافري إن استطعتِ.
اقرئي.
دخلي تجارب جديدة.
تعاملي مع أشخاص مختلفين.
واجهي مواقف لم تعتادي عليها.
فالتجربة تكشف جوانب من الشخصية لا تستطيع الأفكار وحدها كشفها.
قد تكتشفين أنك أكثر شجاعة مما كنتِ تعتقدين.
وقد تكتشفين أنك تحتاجين إلى تعلم مهارة معينة.
وقد تكتشفين أن شيئًا كنت تظنين أنك تحبينه لا يناسبك.
وهذا كله جزء من بناء الهوية.
لا تحتاجين إلى أن تكوني استثنائية طوال الوقت
من الأخطاء الأخرى أن تتحول فكرة «التميز» إلى ضغط جديد.
ليس مطلوبًا منك أن تكوني مختلفة في كل شيء.
ولا أن تبهري العالم كل يوم.
ولا أن تحققي إنجازًا استثنائيًا باستمرار حتى تشعري بأن لك قيمة.
يمكن أن تكون لك حياة هادئة وعميقة.
يمكن أن تنجحي دون شهرة.
يمكن أن تكوني متميزة في مجال صغير لا يعرفه الناس.
القيمة لا تقاس دائمًا بحجم الجمهور.
أحيانًا يكون أعظم نجاح للإنسان أن يبني حياة تشبهه.
اسألي نفسك هذه الأسئلة
إذا أردتِ أن تبدئي رحلة اكتشاف هويتك، اجلسي مع نفسك وأجيبي بصدق:
من أنا بعيدًا عن أدواري الاجتماعية؟
ما القيم التي لا أريد التخلي عنها؟
ما الأشياء التي أحبها فعلًا؟
ما الأشياء التي أفعلها فقط لإرضاء الآخرين؟
ما الذي أخاف أن أفعله بسبب كلام الناس؟
ما المواهب التي لم أمنحها فرصة؟
ما الأحلام التي اخترتها بنفسي؟
وما الأحلام التي ورثتها من الآخرين؟
ما نوع الحياة التي أريد بناءها؟
أي امرأة أريد أن أكون عندما أنظر إلى نفسي بعد عشر سنوات؟
هذه الأسئلة قد لا تمنحك الإجابات كلها في يوم واحد.
لكنها تفتح الباب.
والوعي يبدأ غالبًا بسؤال صادق.
في النهاية...
لا تكوني نسخة من امرأة أخرى، مهما أعجبتك.
خذي منها ما ينفعك.
تعلمي من نجاحها.
استفيدي من خبرتها.
راقبي ما يمكن أن تتعلميه منها.
لكن عودي بعد ذلك إلى نفسك.
فأنتِ لستِ مشروعًا لإعادة إنتاج شخص آخر.
لكِ ظروفك، وتجربتك، وقدراتك، واحتياجاتك، وقيمك، وطريقك.
وقد لا يكون الطريق الذي يناسب امرأة أخرى مناسبًا لكِ.
وهذا ليس نقصًا.
إنه اختلاف طبيعي بين البشر.
لا تبحثي عن المرأة التي ينبغي أن تكونيها؛ اكتشفي المرأة التي تستطيعين أن تكونيها حقًا.
ابني شخصيتك من معرفتك بنفسك، ومن تجاربك، ومن علمك، ومن أخطائك، ومن قيمك، ومن القرارات التي تتخذينها بوعي.
ثم اسمحي لهذه الشخصية أن تنمو.
تغيري عندما يكون التغيير نضجًا.
وتراجعي عندما يظهر لكِ ما يستحق المراجعة.
واختاري عندما يحين وقت الاختيار.
ولا تجعلي عيون الآخرين تحدد لكِ شكل حياتك.
فأجمل ما يمكن أن تصل إليه المرأة ليس أن تصبح شبيهة بامرأة ناجحة...
بل أن تصبح نسخة ناضجة وصادقة ومتفردة من نفسها.
كوني أنتِ.
فالعالم لا يحتاج إلى نسخة أخرى من أحد.
إنه يحتاج إلى المرأة التي لا يستطيع أن يكونها سواكِ.
تعليقات
إرسال تعليق