ناعمة الهاشمي : كيف تصبحين سندًا لنفسك؟
كيف تصبحين سندًا لنفسك؟
بناء العلاقة الداخلية الصحية مع الذات
هناك فرق كبير بين أن تكون في حياتك أشخاص تحبينهم، وبين أن تكون لديكِ القدرة على الوقوف إلى جانب نفسك عندما لا يكون أحد موجودًا.
قد تحيط بكِ أسرة محبة، وصديقات مخلصات، وأشخاص مستعدون لمساعدتك، ومع ذلك قد تشعرين بالعجز عندما تواجهين موقفًا صعبًا إذا لم تجدي شخصًا يمسك بيدك ويخبرك ماذا تفعلين.
وهنا يظهر سؤال مهم:
هل تستطيعين أن تكوني سندًا لنفسك؟
ليس المقصود أن تعيشي وحدك، أو ترفضي مساعدة الآخرين، أو تتظاهري بالقوة في كل الظروف.
فالإنسان يحتاج إلى الآخرين، والاستناد إلى من نثق بهم جزء صحي من الحياة.
لكن هناك نوعًا من القوة تحتاجه كل امرأة:
أن تعرف كيف تحتوي نفسها عندما تضطرب.
وكيف تفكر عندما تحتار.
وكيف تهدئ نفسها عندما تخاف.
وكيف تحمي حدودها عندما تتعرض للضغط.
وكيف تنهض بعد أن تتعثر.
أن تعرف أنها لن تتخلى عن نفسها.
ماذا يعني أن تكوني سندًا لنفسك؟
أن تكون علاقتك بنفسك قائمة على الثقة والاحترام والمسؤولية، لا على القسوة أو الإهمال.
أن تستطيعي أن تقولي:
أنا لا أعرف، لكنني سأتعلم.
أنا أخطأت، وسأصلح.
أنا خائفة، لكنني سأفكر.
أنا متعبة، وسأعتني بنفسي.
أنا لا أستطيع تحمل هذا الآن، وسأطلب المساعدة.
أنا لا أقبل هذا التعامل، وسأضع حدًا له.
أنا فشلت في هذه التجربة، لكنني لن أعتبر نفسي فاشلة.
هذه اللغة الداخلية ليست مجرد كلمات.
إنها انعكاس للعلاقة التي تربطك بذاتك.
راقبي الطريقة التي تحدثين بها نفسك
هناك نساء يعشن مع أنفسهن طوال اليوم، لكنهن لا يعرفن كيف يكنّ لطيفات مع أنفسهن.
إذا أخطأت، قالت:
أنا غبية.
إذا فشلت:
أنا فاشلة.
إذا أخطأ أحد في حقها:
لماذا سمحت بهذا؟
إذا لم ينجح شيء:
أنا لا أستطيع.
ثم تتوقع أن تكون شخصية قوية ومتزنة.
كيف يمكن للإنسان أن يبني ثقة بنفسه بينما صوته الداخلي يعمل ضده باستمرار؟
لا يعني هذا أن تتوقفي عن نقد نفسك.
بل أن تستبدلي الإهانة بالمراجعة.
بدل:
أنا غبية.
قولي:
اتخذت قرارًا غير موفق، وسأفهم أين أخطأت.
بدل:
أنا لا أستطيع.
قولي:
هذه المهارة لم أكتسبها بعد.
بدل:
أنا دائمًا أخطئ.
قولي:
هذا خطأ محدد، ويمكنني أن أتعلم منه.
هناك فرق بين أن تكوني صادقة مع نفسك، وأن تكوني قاسية عليها.
لا تنتظري دائمًا من ينقذك
من علامات النضج أن تتعلمي الفرق بين الحاجة الطبيعية إلى الدعم، وبين الاعتماد الكامل على الآخرين في إدارة حياتك.
قد تحتاجين إلى شخص يسمعك.
وقد تحتاجين إلى مشورة.
وقد تحتاجين إلى مساعدة متخصصة.
وقد تحتاجين إلى حضن أو كلمة طيبة.
كل ذلك إنساني وطبيعي.
لكن لا تجعلي وجود شخص آخر شرطًا لقدرتك على الاستمرار.
إذا غاب شخص، لا تتوقفي.
إذا لم يوافقك أحد، فكري بنفسك.
إذا لم يأتِ أحد ليحل المشكلة، ابدئي في البحث عن الحل.
إذا خذلك شخص كنت تعتمدين عليه، لا تسمحي للخيانة بأن تتحول إلى خيانة منك لنفسك.
اطلبي الدعم عندما تحتاجينه، لكن لا تتخلي عن مسؤوليتك تجاه نفسك.
سند نفسك لا يعني أن تتحملي كل شيء
هذه نقطة مهمة جدًا.
بعض النساء يفهمن القوة بطريقة خاطئة.
يقلن:
أنا قوية، سأتحمل.
ثم يتحملن الإهانة.
ويتحملن الاستنزاف.
ويتحملن العلاقات المؤذية.
ويتحملن فوق طاقتهن.
ثم يسمين ذلك قوة.
لكن القوة ليست القدرة على تحمل الأذى بلا نهاية.
أحيانًا تكون القوة في أن تقولي:
هذا يكفيني.
وأحيانًا تكون في أن تغادري.
وأحيانًا تكون في أن تطلبي المساعدة.
وأحيانًا تكون في أن تعترفي بأنك متعبة.
وأحيانًا تكون في أن تضعي حدًا واضحًا.
المرأة التي تكون سندًا لنفسها لا تدفع نفسها إلى الانهيار كي تثبت أنها قوية.
بل تعرف متى تحمي نفسها.
تعلمي احتواء مشاعرك
المشاعر لا تحتاج دائمًا إلى أن تختفي حتى تكوني بخير.
الخوف شعور.
الحزن شعور.
الغضب شعور.
القلق شعور.
الخذلان شعور.
وجود الشعور لا يعني أن عليكِ اتخاذ قرار تحت تأثيره.
يمكنك أن تشعري بالغضب دون أن تتخذي قرارًا وأنت غاضبة.
ويمكنك أن تحزني دون أن تحكمي على حياتك كلها بأنها فاشلة.
ويمكنك أن تخافي دون أن تسمحي للخوف بأن يقرر نيابة عنك.
احتواء المشاعر لا يعني إنكارها، وإنما فهمها وإعطاؤها حجمها الصحيح.
اسألي نفسك:
ما الذي أشعر به؟
لماذا أشعر به؟
ما الذي أثاره؟
هل هذا الشعور يتوافق مع الواقع؟
ما التصرف المناسب بعد أن أهدأ؟
هذه الأسئلة تنقلك من الانفعال إلى الوعي.
لا تتخذي قرارات كبيرة وأنت في ذروة الانفعال
عندما تكون النفس مضطربة، يصبح التفكير أقل اتزانًا.
قد ترغبين في إنهاء علاقة.
أو إرسال رسالة قاسية.
أو اتخاذ قرار مهني.
أو مواجهة شخص.
أو القيام بتصرف تندمين عليه لاحقًا.
توقفي.
خذي مسافة.
نامي.
اهدئي.
اكتبي ما تشعرين به.
ثم عودي إلى الموضوع عندما تستعيدين قدرتك على التفكير.
التأجيل الواعي ليس ضعفًا.
أحيانًا يكون أقوى قرار يمكنك اتخاذه هو ألا تتخذي قرارًا الآن.
كوني عادلة مع نفسك
إذا كنتِ تطالبين الآخرين بأن يعاملوك باحترام، فعليكِ أن تبدئي بالطريقة التي تعاملين بها نفسك.
لا تهملي احتياجاتك باستمرار.
لا تسخري من أحلامك.
لا تقللي من إنجازاتك.
لا تسمحي لنفسك بأن تصبح آخر شخص في قائمة اهتمامك.
ولا تعاقبي نفسك إلى الأبد على خطأ انتهى.
اسألي:
هل أعطي نفسي حقها من الراحة؟
هل أتعامل مع جسدي باحترام؟
هل أتعلم؟
هل أضع حدودًا؟
هل أختار الأشخاص الذين أسمح لهم بالدخول إلى حياتي؟
هل أترك لنفسي مساحة خاصة؟
هذه ليست أنانية.
إنها مسؤولية.
تعلمي اتخاذ القرار
المرأة التي لا تثق بنفسها قد تجعل كل قرار مشروعًا للاستشارة.
تسأل الجميع:
ماذا أفعل؟
هل أقبل؟
هل أرفض؟
هل أذهب؟
هل أبقى؟
ثم تصبح حياتها مجموعة من القرارات التي اتخذها الآخرون بالنيابة عنها.
الاستشارة مهمة.
لكن لا تجعليها بديلًا عن التفكير.
اجمعي المعلومات.
افهمي الخيارات.
درسي النتائج.
استشيري من يملك الخبرة.
ثم قرري.
حتى لو أخطأتِ.
فالقدرة على اتخاذ القرار تنمو بالممارسة.
ولا يمكن أن تبني شخصية مستقلة إذا كنتِ تخافين باستمرار من تحمل مسؤولية اختياراتك.
تحملي نتائج قراراتك
أن تكوني سندًا لنفسك يعني أن تتوقفي عن البحث دائمًا عن شخص تلومينه.
قد يكون الآخر قد أخطأ في حقك فعلًا.
وقد تكون الظروف صعبة.
وقد يكون هناك ظلم أو خذلان.
لكن بعد أن تعترفي بما حدث، يأتي سؤال آخر:
ماذا سأفعل أنا الآن؟
هذا السؤال يعيد إليكِ شيئًا مهمًا جدًا:
القدرة على الفعل.
قد لا تختارين ما حدث لكِ، لكنك تستطيعين أن تختاري كيف تتعاملين معه من هذه اللحظة.
وهنا تبدأ استعادة القوة.
لا تجعلي الخوف مدير حياتك
الخوف له وظيفة.
يحذرنا.
ينبهنا.
يجعلنا ندرس المخاطر.
لكن المشكلة عندما يصبح الخوف صاحب القرار الدائم.
لا أبدأ لأنني أخاف الفشل.
لا أرفض لأنني أخاف أن يغضبوا.
لا أتكلم لأنني أخاف النقد.
لا أغير لأنني أخاف المجهول.
لا أتعلم لأنني أخاف ألا أنجح.
وبذلك تصبح الحياة سلسلة من القرارات التي لم تتخذيها لأنك خفتِ.
الشجاعة ليست غياب الخوف.
الشجاعة أن تعرفي الخوف، ثم تقرري وفق الواقع والقيم، لا وفق الخوف وحده.
ابني ثقتك بنفسك بالأفعال
لا تنتظري أن تستيقظي ذات صباح وتشعري فجأة أنك امرأة قوية.
الثقة تُبنى بالأدلة.
كل وعد تلتزمين به مع نفسك هو دليل.
كل عادة تحافظين عليها دليل.
كل قرار تتخذينه بوعي دليل.
كل حد تضعينه وتحافظين عليه دليل.
كل مهارة تتعلمينها دليل.
كل أزمة تتجاوزينها دليل.
كل مرة تسقطين ثم تنهضين دليل.
ومع تراكم هذه الأدلة، تتغير الصورة التي تحملينها عن نفسك.
تبدأين في معرفة:
أنا أستطيع الاعتماد على نفسي.
لا تبحثي عن الكمال
قد تضعين لنفسك صورة مثالية للمرأة القوية:
لا تبكي.
لا تتردد.
لا تخاف.
لا تخطئ.
لا تحتاج أحدًا.
لا تتعب.
هذه ليست امرأة قوية.
هذه صورة غير واقعية عن الإنسان.
القوة الحقيقية تسمح بالضعف المؤقت دون الاستسلام له.
يمكنك أن تبكي ثم تنهضي.
أن تخافي ثم تتقدمي.
أن تحتاري ثم تبحثي.
أن تطلبي المساعدة ثم تستكملي طريقك.
أن تخطئي ثم تصححي.
القوة ليست ألا تسقطي؛ القوة أن تعرفي كيف تعودين إلى الوقوف.
كوني الشخص الذي تثقين أنه لن يتخلى عنك
اسألي نفسك:
إذا مررتُ بأصعب مرحلة في حياتي، كيف سأعامل نفسي؟
هل سأهينها؟
هل سألومها؟
هل سأتركها غارقة في الخوف؟
أم سأجلس معها بهدوء وأقول:
سنفهم ما حدث.
سنبحث عن الحل.
سنصلح ما يمكن إصلاحه.
وسنتجاوز ما لا يمكن تغييره.
هذه هي العلاقة التي تحتاجين إلى بنائها مع نفسك.
أن تشعري أن هناك شخصًا واحدًا على الأقل لن يتخلى عنك أبدًا:
أنتِ.
لكن لا ترفضي السند الخارجي
كونك سندًا لنفسك لا يعني أنك لا تحتاجين إلى الآخرين.
بل المرأة الأكثر اتزانًا تعرف متى تستند إلى نفسها ومتى تستند إلى غيرها.
هناك مشكلات تحتاج إلى صديقة.
وأخرى تحتاج إلى أسرة.
وأخرى تحتاج إلى خبير.
وأخرى تحتاج إلى طبيب أو مختص.
وأخرى تحتاج إلى وقت.
طلب المساعدة ليس اعترافًا بالعجز.
بل قد يكون دليلًا على الوعي بالحدود.
الاستقلال الصحي لا يعني الاستغناء عن البشر، بل يعني ألا تفقدي نفسك عندما تحتاجين إليهم.
اصنعي لنفسك مساحة داخلية
خصصي وقتًا تكونين فيه مع نفسك بعيدًا عن الضجيج.
اقرئي.
اكتبي.
فكري.
راجعي أسبوعك.
اسألي نفسك:
ماذا حدث؟
ماذا تعلمت؟
ما الذي أحسنته؟
ما الذي أخطأت فيه؟
ما الذي أحتاج إلى تغييره؟
ما الذي يستحق أن أستمر فيه؟
هذه المراجعة المنتظمة تساعدك على معرفة نفسك بدلًا من أن تعيشي طوال الوقت في حالة استجابة للأحداث.
تمرين: ماذا أقول لنفسي عندما أتعثر؟
اكتبي موقفًا أخفقتِ فيه أو مررتِ فيه بمرحلة صعبة.
ثم اكتبي تحتَه:
ماذا قلت لنفسي وقتها؟
ثم:
ماذا كنت سأقول لصديقة أحبها لو مرت بالموقف نفسه؟
قارني بين الجملتين.
إذا اكتشفتِ أنك تمنحين الآخرين رحمة وفهمًا لا تمنحينهما لنفسك، فقد حان الوقت لإعادة بناء علاقتك بذاتك.
ليس المطلوب أن تدللي نفسك.
بل أن تكوني عادلة معها.
وفي النهاية...
أن تكوني سندًا لنفسك لا يعني أن تحملي العالم وحدك.
ولا يعني أن تخفي ضعفك.
ولا يعني أن ترفضي الحب.
ولا يعني أن تستغني عن الآخرين.
يعني شيئًا أعمق:
ألا تتخلي عن نفسك عندما تصبح الحياة صعبة.
أن تقفي إلى جانب نفسك عندما تخطئين.
أن تحميها عندما تتعرض للضغط.
أن تعتني بها عندما تتعب.
أن تعلميها عندما تجهل.
أن تصححيها عندما تخطئ.
أن تشجعيها عندما تخاف.
وأن تطلبي لها المساعدة عندما تحتاج إليها.
لا تكوني المرأة التي تنتظر دائمًا شخصًا يأتي لينقذها.
كوني المرأة التي تستطيع أن تقول:
سأفكر.
سأتعلم.
سأطلب المساعدة إذا احتجت.
سأتحمل مسؤوليتي.
وسأبقى إلى جانب نفسي حتى أعبر هذه المرحلة.
فأقوى علاقة يمكنك أن تبنيها في حياتك ليست علاقة تجعلك لا تحتاجين إلى أحد.
بل علاقة تجعلك تعرفين أنك، مهما أحببت الآخرين واحتجت إليهم، لن تفقدي نفسك من أجلهم.
وحين تصبحين سندًا لنفسك، يتغير معنى العلاقات في حياتك.
لن تبحثي عن شخص ينقذك.
بل ستختارين من يضيف إلى حياتك.
لن تتشبثي بمن يؤذيك خوفًا من الوحدة.
بل ستعرفين أنك قادرة على الرحيل.
لن تقبلي كل شيء كي لا تخسري شخصًا.
بل ستعرفين أن خسارة علاقة لا تبرر خسارة نفسك.
كوني أنتِ السند الأول لنفسك.
فمن يعرف كيف يقف إلى جانب نفسه، يستطيع أن يحب الآخرين من موقع قوة واتزان، لا من موقع احتياج وخوف.
تعليقات
إرسال تعليق